تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٧٥
« ويَبتغِي الزيادَة فيما بَقِي» ، هذا راجعٌ إلى النّحو الأوّل . «يَنهَى ولا يَنتهِي ، ويأمرُ الناسَ بما لا يأتي» ، هذا كما تقدَّم . «يُحِبّ الصالحين ولا يَعمَل عَملَهم» ، إلى قوله : «وهو أحدُهم» ، وهو المعنَى الأوّل بعينه . قال : يَكرَه الموتَ لكثْرةِ ذُنوبه ، ويقيمُ على الذّنوب ، وهذا من العجائب أن يَكرَه إنسانٌ شيئا ثم يُقيمُ عليه ، ولكنّه الغرورُ وتسويفُ النّفس بالأمانيّ . ثم قال : « إن سَقِمَ ظَلّ نادما ، وإن صَحَّ أمِن لاهياً» ، «فَإذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللّه َ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين» [١] ... الآيات . قال : «يَعجَب بنفسِه إذا عُوفِي ، ويَقنَط إذا ابتُلي» ، «فَأَمَّا الإنْسَانُ إذا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ * وَأَمَّا إذَا ما ابْتَلاَهُ فَقَدَر عَلَيهِ رِزْقَهُ فَيَقُول رَبِّي أهَانَنِ» [٢] ، ومِثل الكلمة الأُخرى : «إن أصابَه بَلاء» ، «وإنْ ناله رَخاء» . ثم قال : «تغلبه نفسُه على ما يَظُنُّ ، ولا يغلبها على ما يَستيقِن» ، هذه كلمة جليلةٌ عظيمة ، يقول : هو يستيقِن الحِسابَ والثوابَ والعِقابَ ، ولا يغلِب نفسَه على مجانبةِ ومتاركةِ ما يُفضِي به إلى ذلك الخَطَر العظيم ، وتغلبُه نفسه على السّعي إلى ما يَظنّ أن فيه لَذّةً عاجلةً ، فواعجبا ممّن يترجّح عندَه جانبُ الظنّ على جانب العلم ! وما ذاك إلاّ لضعفِ يقينِ الناس وحبّ العاجل . ثمّ قال : «يخاف على غيره بأدنى من ذَنْبه ، ويرجو لنفسِه أكثرَ من عَمَله» ، ما يزال يَرَى الواحد منّا كذلك يقول : إنّي لخائف على فلان من الذّنب الفلانيّ وهو مقيمٌ على أفحشَ من ذلك الذنب ، ويرجو لنفسِه النّجاة بما لا تقوم أعمالُه الصّالحة بالمصير إلى النّجاة به ، نحو أن يكون يصلِّي رَكعاتٍ في اللّيل أو يصومَ أياما يسيرةً في الشّهر ، ونحو ذلك . قال : «إن استَغنَى بَطِر وفُتِن ، وإن افتَقَر قَنِط ووهن» ، قنط بالفَتْح ويَقنِط بالكسر ، قُنوطا مثل جَلَس يَجلِس جلوسا ، ويجوز قَنَط يَقنُط بالضمّ مثل قَعَد يَقعُد ، وفيه لغة ثالثة : قَنِط بالكسر يَقنَط قَنَطا ، مثل تَعِب يَتعَب تَعبا وقَناطةً فهو قَنِط ، وبه قرئ : «فَلاَ تَكُنْ مِنَ الْقَنِطِينَ» [٣] ، والقُنوط : اليأس . ووهَن الرجلُ يَهِن ، أي ضَعُف وهذا المعنى قد تكرّر . قال : «يقصِّر إذا عَمِل ، ويُبالِغ إذا سُئِل» ، هذا مِثْلُ ما مَدَحَ به النبيُّ صلى الله عليه و آله وسلم الأنصارَ : « إنّكم لتَكثُرون عند الفَزَع ، وتَقِلّون عند الطمع» . قال : «إن عَرَضَتْ له شهوةٌ أسلَفَ المعصية ،
[١] سورة العنكبوت ٦٥ .[٢] سورة الفجر ١٥ ، ١٦ .[٣] سورة الحجر ٥٥ ، وهي قراءة الأعمش ويحيى بن وثاب ، وانظر تفسير القرطبي ١٠ : ٣٦ .