تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٩
.ومن خطبة له عليه السلام الْمَرَائِي لاَ بِمُحَاضَرَةٍ . لَمْ تُحِطْ بِهِ الْأَوْهَامُ ، بَلْ تَجَلَّى لَهَا بِهَا ، وَبِهَا امْتَنَعَ مِنْهَا ، وَإِلَيْهَا حَاكَمَهَا . لَيْسَ بِذِي كِبَرٍ امْتَدَّتْ بِهِ النِّهَايَاتُ فَكَبَّرَتْهُ تَجْسِيماً ، وَلاَ بِذِي عِظَمٍ تَنَاهَتْ بِهِ الْغَايَاتُ فَعَظَّمَتْهُ تَجْسِيداً ؛ بَلْ كَبُرَ شَأْناً ، وَعَظُمَ سُلْطَاناً . وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّفِيُّ ، وَأَمِينُهُ الرَّضِيُّ ، ـ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ـ أَرْسَلَهُ بِوُجُوبِ الْحُجَجِ ، وَظُهُورِ الْفَلَجِ ، وَإِيضَاحِ الْمَنْهَجِ ؛ فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ صَادِعاً بِهَا ، وَحَمَلَ عَلَى الْمَحَجَّةِ دالاًّ عَلَيْهَا ، وَأَقَامَ أَعْلاَمَ الاِْهْتِدَاءِ ، وَمَنَارَ الضِّيَاءِ ، وَجَعَلَ أَمْرَاسَ الاْءِسْلاَمِ مَتِينَةً ، وَعُرَى الاْءِيمَانِ وَثِيقَةً .
الشّرْحُ:
الشواهد هاهنا ، يريد بها الحواسّ وسمّـاها «شواهد» ، إمّا لحضورها ؛ شهد فلان كذا أي حضره ، أو لأنها تشهد على ما تدركه وتثبته عند العقل ، كما يشهد الشاهد بالشيء ويثبته عند الحاكم . والمشاهد هاهنا : المجالس والنوادي ، يقال : حضرت مشهد بني فلان ، أي ناديهم ومجتمعهم . ثم فسّر اللفظة الأُولى وأبان عن مراده بها ، بقوله : «ولا تراه النواظر» ، وفسّر اللفظة الثانية وأبان عن مرادها ، فقال : «ولا تحجبه السواتر» . والمراد بقوله عليه السلام : «الدالّ بحدوث الأشياء على قدمه» ، أي على كونه ذاتا لم يجعلها جاعل ، وليس المراد بالقدم هاهنا الوجود لم يزل ، بل مجرد الذاتيّة لم يزل . ثم يستدلّ بعد ذلك بحدوث الأشياء على أنّ له صفة أُخرى لم تزل زائدة على مجرّد الذاتيّة ، وتلك الصفة هي وجوده فقد اتّضح المراد الآن . فإن قلت : فهل لهذا الكلام مساغٌ على مذهب البغداديين؟ قلت : نعم ، إذا حمل على منهج التأويل بأن يريد بقوله : «وبحدوث خلقه على وجوده » ، أي على صحّة إيجاده له فيما بعد ، أي إعادته بعد العدَم يوم القيامة ؛ لأنّه إذا صحّ منه تعالى إحداثه ابتداءً صحّ منه إيجاده ثانيا على وجه الإعادة ؛ لأنّ الماهيّة قابلة للوجود والعدم ، والقادر قادرٌ لذاته ، فأمّا من روى بحدوث خلقه على وجوده ، فإنه قد سقطت عنه هذه الكلف كلّها ، والمعنى على هذا ظاهر ؛ لأنّه تعالى دلّ المكلفين بحدوث خلقه على أنه جواد منعم ، ومذهب أكثر المتكلّمين أنه خلق العالم جودا وإنعاماً وإحساناً إليهم .