تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٤٢
.ومن كتاب له عليه السلام كتبه إلى قُثَم بن العباس وَلاَ حَاجِبٌ إِلاَّ وَجْهُكَ . وَلاَ تَحْجُبَنَّ ذَا حَاجَةٍ عَنْ لِقَائِكَ بِهَا ، فَإِنَّهَا إِنْ ذِيدَتْ عَنْ أَبْوَابِكَ في أَوَّلِ وِرْدِهَا ، لَمْ تُحْمَدْ فِيَما بَعْدُ عَلَى قَضَائِهَا . وَانْظُرْ إِلَى مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ مِنْ مَالِ اللّه ِ فَاصْرِفْهُ إِلَى مَنْ قِبَلَكَ مِنْ ذَوِي الْعِيَالِ وَالمجَاعَةِ ، مُصِيباً بِهِ مَوَاضِعَ المفاقر وَالْخَـلاَّتِ ، وَمَا فَضَلَ عَنْ ذلِكَ فَاحْمِلْهُ إِلَيْنَا لِنَقْسِمَهُ فِيمَنْ قِبَلَنَا . وَمُرْ أَهْلَ مَكَّةَ أَلاَّ يَأْخُذُوا مِنْ سَاكِنٍ أَجْراً ، فَإِنَّ اللّه َ سُبْحَانَهُ يَقُولُ : «سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ» [١] فَالْعَاكِفُ : الْمُقِيمُ بِهِ ، وَالْبَادِي : الَّذِي يَحُجُّ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ ، وَفَّقَنَا اللّه ُ وَإِيَّاكُمْ لَِمحَابِّهِ ؛ وَالسَّلاَمُ .
الشّرْحُ:
قد تقدّم ذكر قُثمَ ونسبه [٢] . أمَره أن يقيمَ للنّاس حجّهم ، وأن يذكّرهم بأيّام اللّه ، وهي أيّام الإنعام ، وأيّام الانتقام ، لتَحصل الرغبة والرّهبة . واجلس لهم العَصْرين : الغَداةَ والعَشيّ . ثم قَسّم له ثمرةَ جلوسِه لهم ثلاثة أقسام : إمّا أن يفتيَ مُسْتفتيا من العامّة في بعض الأحكام ، وإمّا أن يعلّم متعلّما يطلُب الفِقْه ، وإمّا أن يُذاكر عالما ويُباحِثه ويُفاوِضه ، ولم يَذكُر السّياسة والأُمورَ السّلطانيّة ؛ لأنّ غَرضه متعلّق بالحَجِيج ، وهم أضيافه ، يقيمون ليالي يسيرةً ويقفِلون ؛ وإنّما يذكر السّياسة وما يتعلّق بها فيما يَرجع إلى أهل مَكّة ، ومن يدخل تحت ولايتِه دائما ، ثمّ نهاه عن توسّط السُّفَراء والحُجّاب بينه وبينهم ، بل ينبغي أن يكون سفيرَه لسانُه ، وحاجبَه وجهُه ، ورُوِي «ولا يكن إلاّ لسانُك سفيرا لك إلى الناس» يَجْعل «لسانك» اسم كان مثل قوله : «فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلاّ أنْ قَالُوا» [٣] ، والرواية الأُولى هي
[١] سورة الحج ٢٥ .[٢] في الرسالة (٣٣) ، قُثَم بن العباس بن عبد المطلب ؛ كان من أفضل بني العباس ، وأشبههم برسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، وكان والياً لأمير المؤمنين عليه السلام على مكّة . استشهد بسمرقند زمن معاوية . [الاستيعاب ٣:١٣٠٤][٣] سورة النمل ٥٦ ، العنكبوت ٢٤ و٢٩ .