تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٥٣
«يُخْرِجُ الحيَّ مِنَ الميِّت ويُخْرِجُ الميِّت من الحيّ» [١] . قوله «فيما رقّي» بالتشديد ، أي فيما رفع إليّ ؛ وأصله أن يكون الإنسان في موضعٍ عالٍ فيرقى إليه شيء ، وكأنّ العلوّ هاهنا هو علوّ المرتبة بين الإمام والأمير ، ونحوه قولهم : تعالى باعتبار علوّ رُتْبة الآمر على المأمور . واللاّم في «لهواك» متعلّقة بمحذوف دلّ عليه انقياداً ، ولا يتعلّق بنفس «انقياد» ؛ لأنّ المتعلّق من حروف الجرّ بالمصدر لا يجوز أن يتقدّم على المصدر . والعتاد : العُدّة . قوله : «وتصل عشيرتك » كان فيما رقّي إليه عنه أنه يقتطع المال ويُفِيضه على رَهْطه وقومِه ويُخرِج بعضه في لذّاته ومآربه . قوله : «لجمل أهلِكَ» العَرَب تَضرِب بالجمَل المَثَل في الهوان . فأمّا شِسْع النَّعْل فضَرْب المثل بها في الاستهانة مشهور ، لابتذالها ووطئها الأقدام في التراب . ثم ذكر أنّه من كان بصفته فليس بأهلٍ لكذا ولا كَذَا ، إلى أن قال : «أو يشرك في أمانة » ؛ وقد جَعَل اللّه تعالى البلاد والرعايا أمانةً في ذمّة الإمام ، فإذا استعمل العمّال على البلاد والرّعايا فقد شرَكهم في تلك الأمانة . قال : «أو يؤمن على جباية» ، أي على استِجْباء الخراج وجمعه ، وهذه الرّواية الّتي سمعناها ، ومن الناس من يَرْويها «على خيانة» ، وهكذا رواها الراونديّ ، ولم يرو الرواية الصحيحية التي ذكرناها نحن . ثم أمَره أن يُقبل إليه ، وهذه كنايةٌ عن العَزْل . فأمّا الكلمات الّتي ذكرها الرضيّ عنه عليه السلام في أمر المُنذر فهي دالّة على أنّه نَسَبَه إلى التِّيه والعُجْب ، فقال : نظّار في عِطْفيه ، أي جانبيه ، ينظر تارةً هكذا وتارة هكذا ، ينظُر لنفسه ، ويَستحسِن هَيْئَته ولبْستَه ، وينظر هل عنده نَقْص في ذلك أو عَيْب فيستدركُه بإزالته ، كما يفعل أربابُ الزّهْو ومن يدّعي لنفسه الحسن والملاحة . قال : مُختالٌ في بُرْدَيْه : يمشي الخُيلاء عُجْبا . «تفّال في شِراكيه» ، الشِّراك السَّيْر الّذي يكون في النّعل على ظَهْر القدم . والتَّفْل بالسكون : مصدر تَفَل أي بَصَق ، والتَّفَل محركا البُصاقُ نفسه ، وإنّما يفعله المُعجِب والتّائِهِ في شِراكَيْه ليذهب عنهما الغُبار والوسخ ، يَتْفُل فيهما ويمسَحهما ليعودا كالجَدِيدين .
[١] سورة الروم ١٩ .