تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٤٠
يعتَوِر القلبَ حالاتٌ مختلفاتٌ متضادّات ، فبعضُها من الحِكْمة ، وبعضُها ـ وهو المضادّ لها ـ منافٍ للحكمة ، ولم يذكُرْها عليه السلام ، وليست الأُمورُ الّتي عدّدها شرحا لِما قدّمه من هذا الكلام الُمجمَل ، وإن ظَنّ قومٌ أنه أراد ذلك ، ألا تَرَى أنّ الأُمورَ الّتي عدّدها ليس فيها شيءٌ من باب الحِكمة وخلافِها! فإن قلت : فما مِثالُ الحِكمة وخلافها ، وإن لم يذكر عليه السلام مثاله؟ قلت : كالشجاعة في القَلْب وضِدّهها الجُبْن ، وكالجُود وضدّه البُخْل ، وكالعِفّة وضدّها الفُجُور ، ونحو ذلك . فأمّا الأُمور الّتي عدّدها عليه السلام فكلامٌ مستأنَف ، إنّما هو بيانُ أنّ كلّ شيء ممّا يتعلّق بالقلب يَلزَمه لازِمٌ آخر نحوُ الرجاء ، فإنّ الإنسان إذا اشتدّ رجاؤه أذلّه الطمع ، والطّمع يَتْبع الرّجاء ، والفَرْق بين الطمع والرّجاء أنّ الرّجاء توقُّع منفَعَة ممّن سبيلُه أن تَصدُر تلك المَنفعَة عنه ، والطمع توقُّعُ منفَعةٍ ممّن يُستبعَد وُقوعُ تلك المنفعة منه ؛ ثم قال : وإن هاج به الطمع قَتَله الحِرْص ، وذلك لأنّ الحرْص يَتْبع الطّمع ، إذا لم يَعلَم الطامعُ أنّه طامع ، وإنّما يَظُن أنّه راج . ثم قال : وإن مَلَكه اليأس ، قَتَله الأسَف ، أكثَرُ الناسِ إذا يَئِسوا أسِفوا . ثم عدّد الأخلاقَ وغيرَها من الأُمور الواردة في الفَصْل إلى آخره ، ثمّ خَتَمه بأن قال : « فكلُّ تقصيرٍ به مُضِرّ ، وكلّ إفراطٍ له مفسِد» ؛ وقد سَبَق كلامُنا في العدَالة ، وإنّها الدّرجة الوسطى بينَ طرَفين هما رَذِيلتان ، والعَدالة هي الفضيلة ، كالجُود الذي يكتنِفه التّبذير والإمساك ، والذّكاء الّذي يَكتنِفه الغبَاوة . والجَرْبزة [١] ، والشجاعة الّتي يَكتنِفها الهَوَج والجُبْن ، وشَرَحْنا ما قالَه الحُكَماء في ذلك شرحا كافيا ، فلا مَعْنَى لإعادتِه .
١٠٦
الأصْلُ:
.نَحْنُ النُمْرُقَةُ الْوُسْطَى ، بِهَا يَلْحَقُ التَّالِي ، وَإِلَيْهَا يَرْجِعُ الْغَالِي .
[١] الجربزة : الخب والخديعة .