تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٠٠
.ومن خطبة له عليه السلام ومن الناس مَنْ يسمّي ه أَلاَ تَرَوْنَ كَيْفَ صَغَّرَهُ اللّهُ بِتَكَبُّرِهِ ، وَوَضَعَهُ بِتَرَفُّعِهِ ، فَجَعَلَهُ فِي الدُّنْيَا مَدْحُوراً ، وَأَعَدَّ لَهُ فِي الاْخِرَةِ سَعِيراً [١] .
الشّرْحُ:
يجوز أن تسمّى هذه الخطبة «القاصعة» من قولهم : قَصَعت الناقة بجِرّتها ، وهو أن تردّها إلى جوفها ، أو تخرجها من جوفها فتملأ فاها ، فلمّا كانت الزواجر والمواعظ في هذه الخطبة مردّدة من أولها إلى آخرها ، شبّهها بالناقة التي تقصع الجِرَّة . ويجوز أن تسمى القاصعة لأنها كالقاتلة لإبليس وأتباعِهِ من أهل العصبيّة ، من قولهم : قَصَعت القملة ، إذا هشمتَها وقتلتها . ويجوز أن تسمَّى القاصعة ، لأنّ المستمع لها المعتبر بها يذهب كبْره ونخوته ، فيكون من قولهم : قصع الماءُ عطشه ، أي أذهبه وسكنه ؛ ويجوز أن تسمَّى القاصعة ، لأنها تتضمّن تحقير إبليس وأتباعَه وتصغيرَهم ، من قولهم : قصعت الرجل إذا امتهنتَه وحقّرتَه ، وغلام مقصوع ، أي قميء لا يشِبّ ولا يزداد . والعصبيّة على قسمين : عصبيّة في اللّه وهي محمودة ، وعصبيّة في الباطل وهي مذمومة ؛ وهي الّتي نهى أمير المؤمنين عليه السلام عنها ، وكذلك الحميّة . وجاء في الخبر : «العصبيّة في اللّه تورث الجنة ، والعصبية في الشيطان تورث النار» . وجاء في الخبر : «العظمة إزاري ، والكبرياء ردائي ، فمن نازعني فيهما قصمته» ؛ وهذا معنى قوله عليه السلام : «اختارهما لنفسه دون خلْقه ...» إلى آخر قوله : «من عباده» . قال عليه السلام : «ثم اختبر بذلك ملائكته المقرّبين» مع علمه بمضمراتهم ؛ وذلك لأنّ اختباره سبحانه ليس ليعلَم ، بل ليعلم غيره من خلقه طاعة مَنْ يطيع وعصيان من يعصي . قوله تعالى : «فإذَا سَوَّيتُه» ، أي إذا أكملت خلقه . فقعوا له ساجدين : أمرهم بالسجود له . وقد اختلف في ذلك فقال قوم : كان قبلة ، كما الكعبة اليوم قبلة ، ولا يجوز السّجود إلاّ للّه . وقال آخرون : بل كان السُّجود له تكرمةً ومحنة ، والسجود لغير اللّه غير قبيح في العقل إذا لم يكن عبادة ولم يكن فيه مفسدة .
[١] سورة ص ٧١ ـ ٧٤ .[٢] الحَرَم : ما يحميه الإنسان ويدافع عنه . اصطفاهما : اختارهما . نازعه : خاصمه . الحميّة : الأنفة . السلف : المتقدّم . الجبرية : العلو والعظمة . المدحور : المطرود .