تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٩٢
الشّرْحُ:
خلاصةُ صدرِ هذا الفصل ، أنّ مَنْ أحسنَ إليك حَسُن ظنُّه فيك ، ومَنْ أساء إليك استَوْحش منك ، وذلك لأنَّك إذا أحسنتَ إلى إنسان وتكرّر منك ذلك الإحسان تبع ذلك اعتقادُك أنّه قد أحبّك ، ثم يتبع ذلك الاعتقادَ أمرٌ آخر ، وهو أنّك تحبّه ؛ لأنّ الإنسان مجبول على أن يحبّ مَن يحبُّه ، وإذا أحببتَه سكنتَ إليه وحَسُن ظنّك فيه ، وبالعكس من ذلك إذا أسأتَ إلى زيد ؛ لأنّك إذا أسأت إليه وتكرّرت الإساءة تَبِع ذلك اعتقادُك أنّه قد أبغضك ، ثمّ يتبع ذلك الاعتقادَ أمرٌ آخر ، وهو أن تُبغضه أنت ، وإذا أبغضتَه انقبضتَ منه واستوحشت ، وساءَ ظنّك به . ثمّ نهاه عن نقض السّنن الصالحة الّتي قد عمل بها من قبله من صالحي الأُمّة ، فيكون الوزر عليه بما نَقَض ، والأجر لأولئك بما أسّسوا ، ثم أمره بمطارحة العلماء والحكماء في مَصالح عمله ، فإنّ المشورة بركة ، ومن استشار فقد أضاف عَقْلاً إلى عقله .
الأصْلُ:
.وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ ، لاَ يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلاَّ بِبَعْض ، وَلاَ غِنَىً بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْض ؛ فَمِنْهَا جُنُودُ اللّه ِ ، وَمِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ ، وَمِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ ، وَمِنْهَا عُمَّالُ الاْءِنْصَافِ وَالرِّفْقِ ، وَمِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ وَالْخَراجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُسْلِمَةِ النَّاس ، وَمِنْهَا التُّجَّارُ وَأَهْلُ الصِّنَاعَاتِ ، وَمِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ ، وَكُلٌّ قَدْ سَمَّى اللّه ُ لَهُ سَهْمَهُ ، وَوَضَعَ عَلَى حَدِّهِ وفَرِيضَتِهِ فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللّه ُ عَلَيْهِ وَآلِهِ عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً . فَالْجُنُوُدُ ، بِإِذْنِ اللّه ِ ، حُصُونُ الرَّعِيَّةِ ، وَزَيْنُ الْوُلاَةِ ، وعِزُّ الدِّينِ ، وَسُبُلُ الْأَمْنِ ؛ وَلَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلاَّ بِهِمْ ، ثُمَّ لاَ قِوَامَ لِلْجُنُودِ إِلاَّ بِمَا يُخْرِجُ اللّه ُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ الَّذِي يَقْوَوْنَ بِهِ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ ، وَيَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيَما يُصْلِحُهُمْ ، وَيَكُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ ، ثُمَّ لاَ قِوَامَ لِهذَيْنِ الصِّنْفِيْنِ إِلاَّ بِالصِّنْفِ الثَّالِثِ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ وَالْكُتَّابِ ، لِمَا يُحْكِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ ، وَيَجْمَعُونَ مِنْ الْمَنَافِعِ ، وَيُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ مِنْ