تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٦٨
ثمّ شرع عليه السلام في ذِكر العلْم وتفضيلِه على المال ، فقال : «العلم يَحرُسك ، وأنت تَحرُس المال» ، وهذا أحدُ وجوه التّفضيل . ثمّ ابتدأ فَذَكَر وجها ثانيا ؛ فقال : المالُ يَنقُص بالإنفاق منه ، والعلم لا يَنقُص بالإنفاق بل يَزْكو ؛ وذلك لأنّ إفاضةَ العلم على التلامذة تفيد المُعلّمَ زيادةَ استعداد ، وتُقرِّر في نفسه تلك العلوم الّتي أفاضها على تلامذته ، وتثبّتها وتزيدها رسوخا . فأمّا قوله : «وصَنيعُ المال يزولُ بزواله» ، فتحته سرّ دقيق حكميّ ؛ وذلك لأنّ المال إنّما يَظهر أثرُه ونفعُه في الأُمور الجِسْمانية ، والملاذّ الشَّهوانيّة ، كالنّساء والخيل والأبْنية والمأكَل والمشرَب والمَلابس ونحو ذلك ؛ وهذه الآثار كلُّها تزول بزوال المال أو بزوال رَبِّ المال ؛ ألا تَرَى أنّه إذا زال المالُ اضطُرّ صاحبُه إلى بَيْع الأبنية والخيل والإماء ، ورَفَض تلك العادة من المآكل الشهيّة ، والملابس البهيّة ! وكذلك إذا زال ربُّ المالِ بالمَوْت ، فإنّه تزول آثارُ المالِ عندَه ؛ فإنّه لا يَبقى بعد الموت آكِلاً شارباً لابسا ، وأمّا آثار العِلم فلا يمكن أن تزولَ أبدا والإنسان في الدّنيا ، ولا بعدَ خروجه عن الدّنيا ؛ أمّا في الدنيا فلأنّ العالِمَ باللّه تعالى لا يَعود جاهلاً به ؛ لأنّ انتفَاء العلوم البديهيّة عن الذّهن وما يَلزَمها من اللَّوازم بعدَ حصولها مُحال ، فإذا قد صَدَق قولُه عليه السلام في الفَرْق بين المال والعِلم : إنّ صنيع المال يَزولُ بزواله ، أي وصنيع العلم لا يَزول ، ولا يحتاج إلى أن يقول : «بزَواله» ؛ لأنّ تقديرَ الكلام : وصنيع المال يزول ؛ لأنّ المالَ يَزول ؛ وأمّا بعد خروج الإنسانِ من الدّنيا فإنّ صنيعَ العِلْم لا يزول ؛ وذلك لأنّ صنيعَ العِلم في النّفس الناطقة للّذّة العقليّة الدائمة لدوام سببها ، وهو حصولُ العِلم في جَوْهر النفس الّذي هو مَعشُوق النّفس مع انتفاء ما يُشغِلها عن التمتّع به ، والتلذُّذ بمصاحبته ؛ والّذي كان يشغِلها عنه في الدّنيا استغراقُها في تدبير البدن ، وما تُورِدُه عليها الحواسّ من الأُمور الخارجيّة ، ولا ريبَ أنّ العاشق إذا خلا بمَعشوقِه ، وانتفَتْ عنه أسبابُ الكَدَر ، كان في لذَّة عظيمة ، فهذا هو سرُّ قولِه : «وصنيع المال يزول بزَواله» . فإن قلت : ما معنى قولِه عليه السلام : «معرفةُ العِلْم دينٌ يُدانُ به» ، وهل هذا إلاّ بمنزلة قولك : معرفةُ المَعرِفة أو عِلم العِلم ! وهذا كلامٌ مضطرِب . قلت : تقديرُه : معرفَةُ فَضْل العلم أو شَرفِ العلم ، أو وُجوب العلم دِينُ يدانُ به ، أي المعرفة بذلك من أمرِ الدّين ، أي رُكنٌ من أركان الدّين واجبٌ مفروض . ثمّ شَرَح عليه السلام حالَ العِلْم الّذي ذكر أنّ معرفَة وجُوبه أو شرفه دِينٌ يُدانُ به ، فقال : العِلم