تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٣٨
آنَ لك وأنَى لَك بمعنىً ، أي قَرَب وحَانَ ، تقول : آنَ لك أن تَفعَل كذا يَئِين أيْنا . و «أنّى» مقلوبة عن «آنَ» ، ومِمّا يجري مَجرَى المَثَل قولُهم لمن يرُونه شيئا شديدا يُبصره ولا يشكّ فيه : قد رأيته لمحا باصِرا ، قالوا : أي نظرا بتَحْدِيق شديد ، ومَخرَجه مَخرَج رجل لابنٍ وتامِر ، أي ذو لبَن وتَمْر ، فمعنَى «باصِر» ذو بَصَر . يقول عليه السلام لمعاوية : قد حانَ لك أن تَنتفِع بما تَعلَمه من معايَنة الأمورِ والأحوالِ وتتحقّقه يقينا بقَلْبك كما يتحقّق ذو اللّمح الباصر ما يُبصِره بحاسّة بصرِه ، وأراد ببَيان الأُمور هاهنا معايَنَتها ، وهو ما يعرفه ضرورة من استحقاق عليٍّ عليه السلام للخلافة دونَه ، وبراءتِه من كلّ شُبْهة يَنسُبها إليه .ثم قال له : «فلقد سلكتَ» ، أي اتّبعتَ طرائق أبي سُفْيان أبيكَ وعُتْبة جَدِّك وأمثالِهما من أهلِك ذَوِي الكُفْر والشّقاق . والأباطيل : جمعُ باطل على غير قياس ، كأنّهم جَمَعوا إبطيلاً . والاقتحام : إلقاءُ النّفس في الأمْر من غير رَويّة . والمَيْن : الكَذِب . والغُرور بالضم المصدَر ، وبالفَتْح الاسم . وانتحلْتُ القصيدة ، أي ادّعيتَها كَذِبا .قال : «ما قد علا عنك» ، أي أنتَ دونَ الخلافة ، ولستَ من أهلِها ؛ والابتزاز : الاستِلاب . «لما قد اختزن دونَك» ، يعني التسمّي بإمرة المؤمنين . ثمّ قال : «فِرارا من الحقّ» ، أي فعلتَ ذلك كلّه هَرَبا من التمسّك بالحقّ والدّين ، وحبّا للكُفْر والشّقاق والتغلّب . «وجُحودا لما هو ألزَم» ، يعني فرض طاعةِ عليّ عليه السلام ، لأنّه قد وَعَاها سَمعُه لا رَيْب في ذلك ، إمّا بالنّص في أيّام رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم كما تَذكرُه الشّيعة ـ فقد كان معاوية حاضرا يومَ الغَدِير ؛ لأنّه حجّ معهم حجّة الوداع ، وقد كان أيضا حاضرا يومَ تَبُوك حين قال له بمَحضَر من الناس كافّة : «أنت منّي بمنزِلة هَارُون مِن موسى» ، وقد سُمِع غيرُ ذلك ـ وإمّا بالبَيْعة كما نَذكره نحن فإنّه قد اتّصل به خبرُها ، وتواترَ عندَه وُقوعُها ، فصار وقوعُها عنده معلوما بالضّرورة كعِلمِه بأنّ في الدّنيا بلداً اسمُها مِصر ، وإن كان مارآها . والظاهر من كلامِ أميرِ المؤمنين عليه السلام أنّه يريد المعنى الأوّل ؛ ونحن نخرِّجه على وَجْهٍ لا يَلزَم منه ما تقوله الشِّيعة ، فنقول : لنَفرض أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله وسلمما نصّ عليه بالخلافة بعدَه ، أليس يَعلَم معاوية وغيرُه من الصّحابة أنه قال له في ألف مقام : «أنا حَرْبٌ لمن حارَبْتَ ، وسِلْمٌ لمن