تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٠٠
قال عليه السلام : «فإنا صنائع ربِّنا ، والناسُ بعدُ صَنائعُ لنا» ، هذا كلام عظيم ، عالٍ على الكلام ، ومعناه عالٍ على المعاني ، وصَنيعةُ الملِك من يصطنِعُه الملك ويرفع قدرَه . يقول : ليس لأحد من البشر علينا نعمة ، بل اللّه ُ تعالى هو الذي أنعم علينا ، فليس بيننا وبينه واسطة ، والناس بأسرهم صنائعنا ؛ فنحن الواسطةُ بينهم وبين اللّه تعالى ، وهذا مقامٌ جليل ظاهره ما سمعت ، وباطنه أنهم عبيدُ اللّه ، وأنَّ الناس عبيدهم . ثم قال : «لم يمنعْنا قديم عزِّنا ، وعاديّ طوْلنا» ؛ الطوْل : الفَضْل . وعادِيّ أي قديم ، بئرٌ عاديّة . على قومِك أن خلَطْناكم بأنفسِنا فَنَكَحنا وأنكَحْنا فِعل الأكْفاء ، ولستم هناك ؛ يقول : تزوَّجْنا فيكم وتزوّجتم فينا كما يَفعَل الأكفاء ، ولستم أكفاءنا . ثم قال عليه السلام : «وأنَّى يكون ذلك !» ، أي كيف يكون شرفُكم كشَرَفنا ، ومنّا النبيّ ومنكم المكذِّب ـ يعنى أبا سُفيانَ بنَ حرب ، كان عدوَّ رسول اللّه والمكذِّبَ له والُمجلبَ عليه ـ وهؤلاء ثلاثة : بإزاء أبي سُفْيان رسولُ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، ومعاويةُ بإزاء عليّ عليه السلام ، ويزيدُ بإزاء الحسين عليه السلام ؛ بينهم من العداوة ما لا تبرك عليه الإبل . قال : «ومنّا أسَدُ اللّه » ، يعني حمزة ، «ومنكم أسَدُ الأحلاف» ، يعني عُتْبة بن ربيعة ، وقد تقدّم شرحُ ذلك في قصّة بدر . «ومنّا سيّدَا شَبابِ أهل الجنّة » ، يعني حَسَناً وحُسَيْناً عليهماالسلام ، «ومنكم صبية النار» ، هي الكلمة الّتي قالها النبي صلى الله عليه و آله وسلملعُقْبة بن أبي مُعَيْط حين قَتَله صَبْراً يوم بَدْر ، وقد قال كالمستعطِف له عليه السلام : مَن للصبية يا محمّد ؟ قال : النار . وعُقْبة بن أبي مُعَيْط من بني عبد شمْس . قوله عليه السلام : «ومنّا خير نساء العالمين» ، يعني فاطمةَ عليهاالسلام ، نصّ رسولُ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم على ذلك ؛ لا خلاف فيه ، «ومنكم حمّالة الحطب» ، هي أم جميل بنت حَرْب بن أُميّة ، امرأةُ أبي لهب الذي ورد نصُّ القرآن فيها بما وَرَد . قوله : «في كثير مما لنا وعليكم» ،