تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٤٩
.ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وَسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذلِكَ للّه ِ رِضىً ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْ أَمْرِهِمْ خَارِجٌ بِطَعْنٍ أَوْ بِدْعَةٍ رَدُّوهُ إِلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ ، فَإِنْ أَبَى قَاتَلُوهُ عَلَى اتِّبَاعِهِ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَوَلاَّهُ اللّه ُ مَا تَوَلَّى . وَلَعَمْرِي ، يَا مُعَاوِيَةُ ، لَئِنْ نَظَرْتَ بِعَقْلِكَ دُونَ هَوَاكَ ، لَتَجِدَنِّي أَبْرَأَ النَّاس مِنْ دَمِ عُثْمانَ ، وَلَتَعْلَمَنَّ أَنِّي كَنْتُ فِي عُزْلَةٍ عَنْهُ إِلاَّ أَنْ تَتَجَنَّى ؛ فَتَجَنَّ مَا بَدَا لَكَ ! وَالسَّلاَمُ .
الشّرْحُ:
قد تقدّم ذكرُ هذا الكلام في أثناء اقتصاص مراسلة أمير المؤمنين عليه السلام معاويةَ بجرير بن عبد اللّه البَجَلِيّ ، وقد ذكره أرباب السّيرة كلُّهم [١] ، وأول الكتاب : «أما بعد ، فإن بيعتي بالمدينة لزمتْك وأنت بالشام ؛ لأنّه بايعني القومُ الّذين بايعوا ..» إلى آخر الفصل . والمشهور المرويّ : «فإن خرج من أمرهم خارجٌ بطعن أو رغبة» ، أي رغبة عن ذلك الإمام الذي وقع الاختيار له . والمرويّ بعد قوله : «ولاّه اللّه بعدما تولّى» ، «وأصلاه جهنّمَ وساءت مصيراً ، وإنّ طلحةَ والزُّبَيرَ بايعاني ثم نَقضَا بَيْعتي ، فكان نقضُهما كرِدّتهما ، فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحقُّ وظهر أمر اللّه وهم كارهون . فادخل فيما دخلَ فيه المسلمون ، فإنّ أحبّ الأُمور إليّ فيك العافية ، إلاّ أن تتعرّض للبلاء ، فإن تعرّضْتَ له قاتلتك ، واستعنت باللّه عليك ، وقد أكثرتَ في قتلة عثمان ، فادخل فيما دخل النّاسُ فيه ، ثم حاكم القوم إليّ أَحمِلْك وإيّاهم على كتاب اللّه ، فأمّا تلك الّتِي تريدها فخدْعة الصبيّ عن اللّبن ، ولعمري يا معاوية إن نظرت بعقلك ... » إلى آخر الكلام . وبعده : « واعلم أنّك من الطُّلقاء الذين لا تحلّ لهم الخلافة ، ولا تعترض بهم الشورى ، وقد أرسلتُ إليك جريرَ بن عبد اللّه البَجَليّ ، وهو من أهل الإيمان والهجرة ، فبايع ولا قوة إلاّ باللّه » .
[١] ذكره ابن أبي الحديد في شرحه : ٣:٧٥ .[٢] أقول : أراد الإمام علي عليه السلام باحتجاجه ( بالإجماع ) إلزام الخصم به ؛ لأنّهم أثبتوا به خلافة أبي بكر وعمر وعثمان . والإمام عليه السلام إنّما لم يتمسّك بالنّص ـ مع ثبوته بالتواتر ـ اعتقاداً منه عليه السلام أن سوف يكذّب ، أو يؤول النصّ وفق نظرية قريش في الخلافة فيكون ذريعة بيد المتخلفين عن اللحاق بالإمام عليه السلام والذين سايروا الوضع القائم في مخالفة النص في يوم الغدير ، وسيجد أولئك فسحة من محاسبة الضمير بمخالفة النبي صلى الله عليه و آله وسلم بسبب التأويل بما ينسجم وخطة قريش ، فأهمله ولم يحتج به ، فهُجر الاحتجاج بالنصِّ منذ أيام السقيفة ، فكيف يلتفتون إليه بعد تقادم العهد وتطاول الأيام ، ولما ملك الإمام عليه السلام قياد الأمر ، واستتب له الوضع ، قام فاحتجّ بحديث الغدير في أكثر من مناسبة ، كان أشهرها في رحبة مسجد الكوفة بعد عودته من حرب الجمل . وأمّا معاوية فقد كتب إلى الإمام عليه السلام : أنّه ليس لك علينا بيعة ؛ لأنّا لم نبايعك ، وليس لك علينا ولاية ولا طاعة ، ولكنّنا نقتاد من قتلة عثمان ثمّ نردّ الأمر شورى بين المسلمين فكان جواب الإمام عليه السلام جدليا محضا ، لا يريد به إلاّ إلزام ما يلتزم به الخصم ، ليقطع تشنيعه ومزاعمه ، ولذا قال له عليه السلام : إنّ البيعة التي أوجبت لأبي بكر وعمر وعثمان الولاية على من حضر وغاب ـ على معتقدكم ـ هي حاصلة لي ؛ فإنّه بايعني القوم الذين بايعوهم . ( والشورى ) التي تعتقدونها وتحتجون بها طريقا للإمامة للمهاجرين والأنصار فقط ؛ وليس لغيرهم ـ من أمثالك من الطلقاء والمؤلفة قلوبهم ـ حق الردّ أو النظر فيما أبرموا . وحينئذٍ فلا حاجة لحمل كلام أمير المؤمنين على التقيّة كما ذكر الشارح الذي يؤوّل النصوص بما يهوى أو بما ينسجم ومذهب أصحابه .[٣] عجبا لابن أبي الحديد ، فان الامام عليه السلام يقول : «ولتعلمنّ أنّي كنت في عزلة عنه» ، وهو يقول : نهى علي عليه السلام أهلَ مصر وغيرهم عن قتل عثمان ... ونابذهم بيده ولسانه وبأولاده ...» وقد تقدّم قول الإمام عليه السلام في خطبة (٣٠) في قضية قتل عثمان : « لو أمرت به (القتل) لكنتُ قاتلاً ، أو نهيت عنه لكنت ناصراً ... » ولماذا لم يجب الامام عليه السلام معاوية بذلك اِذا كان قد نابذ ودافع ليدفع عن نفسه التهمة بقتل عثمان ؟ ولكن اليد الأموية هي وضعت أخبار الدفاع عن عثمان حتى لا يكون خليفتهم مهدور الدم بعد أن استأثر فأساء الأثرةَ ، ووضعت أخبارا في الطعن بالإمام عليه السلام حتى يستقيم لهم الأمر .