تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٧
وَكُنَّا حَسِبْناهم فَوَارسَ كَهْمَسٍ حَيُوا بعد ما ماتوا من الدهر أعصرا قوله : «لقد رَجَعَتْ فيهم» يقال : رجع البصر نفسُه ، ورجع زيد بصره ؛ يتعدّى ولا يتعدى ، يقول : تكلّموا معنىً لا صورة ، فأدركت حالهم بالأبصار والأسماع العقلية لا الحسيّة . وكَلَحت الوجوه كلُوحاً وكُلاحاً ، وهو تكشّر في عُبوس . والنواضِر : النواعم ، والنّضرة : الحسن والرونق . وخوت الأجساد النواعم : خلت من دمِها ورطوبتها وحشوتها . ويجوز أن يكون خوتْ أي سقطت . قال تعالى : «فهيَ خَاويةٌ عَلَى عُروشها» [١] . والأهدام : جمع هِدْم ، وهو الثوب البالي . وتكاءدَنا : شقّ علينا ، ومنه : عقبة كؤود ويجوز تكادّنا ، جاءت هذه الكلمة في أخوات لها «تفعّل وتفاعَل» بمعنىً ، ومثله تعهّد الضيعة ، وتعاهدها . ويقال : قوله : « وتوارثْنا الوحشة» ، كأنّه لما مات الأب فاستوحش أهله منه ، ثم مات الابن فاستوحش منه أهله أيضا ، صارت كأنّ الابن ورث تلك الوحشة من أبيه كما تُورث الأموال ، وهذا من باب الاستعارة . قوله : «وتهدّمت علينا الربوع» ، يقال : تهدّم فلان على فلان غضباً ؛ إذا اشتدّ غضبه ، ويجوز أن يكون تهدمت أي تساقطت . وروي «وتهكمت» بالكاف ، وهو كقولك : « تهدمت» بالتفسيرين جميعاً ، ويعني بالرّبوع الصّمُوت القبور ، وجعلها صموتا ؛ لأنّه لا نطق فيها ، كما تقول : ليل قائم ونهار صائم ، أي يقام ويصام فيهما ، وهذا كلّه على طريق الهزّ والتحريك وإخراج الكلام في معرِض غير المعرِض المعهود ، جعلهم لو كانوا ناطقين مخبرين عن أنفسهم [ لأتَوْا ] بما وصفه من أحوالهم . قوله عليه السلام : «فلو مثّلتَهم بعقلك ، أو كشف عنهم محجوبُ الغطاء لك» إلى آخر جواب « لو» . هذا الكلام أخذه ابن نباتة بعينه فقال : فلو كشفتم عنهم أغطيةَ الأجداث ، بعد ليلتين أو ثلاث ، لوجدتم الأحداق على الخدود سائلة ، والألوانَ من ضيق اللُّحود حائلة ، وهوامّ الأرض في نواعم الأبدان جائلة ، والرؤوس الموسّدة على الأيمان زائلة ، ينكِرُها مَنْ كان لها عارفاً ، ويفرّ عنها مَنْ لم يزل لها آلفاً . قوله عليه السلام : «ارتسخت أسماعهم» أنّه من رسخ الغدير إذا نشّ ماؤه ونضب ، ويقال : قد ارتسخت الأرض بالمطر إذا ابتلعته حتى يلتقي الثريان . واستكّت ، أي ضاقت وانسدّت . « واكتحلتْ أبصارهم بالتراب فخسفت» ، أي غارت وذهبت في الرأس . وذَلاقة الألسن : حدّتُها ، ذَلِق اللسان والسّنان يذلَق ذَلَقا ، أي ذرِبَ ؛ فهو ذلِق ، وأذلق . وهَمَدت ، بالفتح :
[١] سورة الكهف ١٧ .[٢] سورة الحج ٤٥ .[٣] الحسك : نبات شائك تعلق قشرته بصوف الغنم ، والكلام على الاستعارة .