تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٨٦
.ومن خطبة له عليه السلام الْمَوْتُ ، فَعِنْدَ ذلِكَ يَقَعُ حَدُّ الْبَرَاءَةِ . وَالْهِجْرَةُ قَائِمَةٌ عَلَى حَدِّهَا الْأَوَّلِ ، مَا كَانَ لِلّهِ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ حَاجَةٌ مِنْ مُسْتَسِرِّ الاْءِمَّةِ وَمُعْلِنِهَا . لاَ يَقَعُ اسْمُ الْهِجْرَةِ عَلى أَحَدٍ الاّ بِمَعْرِفَةِ الْحُجَّةِ فِي الْأَرْضِ ، فَمَنْ عَرَفَهَا وَأَقَرَّ بِهَا فَهُوَ مُهَاجِرٌ ، وَلاَ يَقَعُ اسْمُ الاِسْتِضْعَافِ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ فَسَمِعْتْهَا أُذُ نُهُ وَوَعَاهَا قَلْبُهُ . إِنَّ أَمْرَنا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ ، لاَ يَحْمِلُهُ إِلاَّ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللّهُ قَلْبَهُ لِلإِيمَانِ ، وَلاَ يَعِي حَدِيثَنَا إِلاَّ صُدُورٌ أَمِينَةٌ ، وَأَحْلاَمٌ رَزِينَةٌ . أَيُّهَا النَّاسُ ، سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي ، فَلَأَنَا بِطُرُقِ السَّماءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الْأَرْضِ ؛ قَبْلَ أَنْ تَشْغَرَ بِرِجْلِهَا فِتْنَةٌ تَطَأُ فِي خِطَامِهَا وَتَذْهَبُ بِأَحْلاَمِ قَوْمِهَا [١] .
الشّرْحُ:
هذا الفصل يُحمَل على عدّة مباحث : أوّلها : قوله عليه السلام : فمن الإيمان ما يكون كذا . فنقول : إنه قسّم الإيمان إلى ثلاثة أقسام : أحدها : الإيمان الحقيقيّ ، وهو الثابت المستقرّ في القلوب بالبرهان اليقينيّ . الثاني : ما ليس ثابتا بالبرهان اليقينيّ بل بالدليل الجدَليّ ، كإيمان كثير ممن لم يحقّق العلوم العقلية ، ويعتقد ما يعتقده عن أقيِسة جدليّة لا تبلغ إلى درجة البرهان ، وقد سمّى عليه السلام هذا القسم باسم مفرد ، فقال : إنه عواري في القلوب ، والعواري : جمع عاريّة ، أي هو وإن كان في القلب وفي محل الايمان الحقيقيّ ، إلاّ أنّ حكمه حكم العارية في البيت ، فإنها بعرضة الخروج منه ؛ لأنّها ليست أصلية كائنة في بيت صاحبها . والثالث : ما ليس مستندا إلى برهان ولا إلى قياس جدلي ، بل على سبيل التقليد ، وحسن الظن بالأسلاف ، وبمن يحسن ظنّ الإنسان فيه من عابد أو زاهد أو ذي ورع ، وقد
[١] عواري : جمع عارية . أي ما تعطيه غيرك شرط أن يردّه لك . فقفوه : أوقفوا الحكم عليه . المستسر : من استسرّ الأمر إذا كتمه . الإِمة ، بكسر الهمزة : الحالة . الأحلام : هنا العقول . الرزينة : الوقرة . الرزين : أصيل الرأي . شغر برجله : رفعها . الخطام : مقود البعير . الخطم : الأنف وما يليه .