تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٢٨
. «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ» ، وَمَعْنَى ذلِكَ أَنَّهُ يَخْتَبِرُ عبادَهُ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلاَدِ لِيَتَبَيَّنَ السَّاخِطَ لِرِزْقِهِ ، وَالرَّاضِيَ بِقِسْمِهِ ، وإِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَلكِنْ لِتَظْهَرَ الْأَفْعَالُ الَّتي بِهَا يُسْتَحَقُّ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يُحِبُّ الذٌّكُورَ وَيَكْرَهُ الاْءِنَاثَ ، وَبَعْضَهُمْ يُحِبُّ تَثْمِيرَ الْمَالِ ، وَيَكْرَهُ انْثِلاَمَ الْحَالِ . قال الرضي رحمه اللّه تعالى : وهذا من غريب ما سمع منه عليه السلام في التفسير .
الشّرْحُ:
الفتنة لفظٌ مشتَرك ؛ فتارةً تُطْلَق على الجائحة والبليّة تصيبُ الإنسان ، تقول : قد افتَتَن زيد وفُتِن فهو مفتون إذا أصابتْه مُصيبة فذَهَب مالُه أو عقلُه ، أو نحوُ ذلك ، قال تعالى : «إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤمِنِينَ وَالْمُؤمِنَاتِ» [١] يَعنِي الّذين عذَّبوهم بمكّة ليرتدّوا عن الإسلام ، وتارةً تُطلَق على الاختبار والامتِحان ، يقال : فتنتُ الذهبَ إذا أدخلتَه النار لتَنظرَ ما جَوْدَته ، ودينارٌ مَفْتون ، وتارةً تُطلَق على الإحراق ، قال تعالى : «يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ» [٢] ووَرق مَفْتون ، أي فِضّة مُحرَقة ، ويقال للحَرَّة : فَتِين كأنّ حِجارتَها مُحرَقة ، وتارةً تُطلَق على الضّلال ، يقال رجلٌ فاتن ومُفتن ، أي مُضِلّ عن الحَقِّ جاء ثُلاثيّا ورُباعيّا ، قال تعالى : «مَا أنْتُمْ عَلَيهِ بِفَاتِنِينَ * إلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجَحِيمِ» [٣] أي بمضلّين ، وقرأ قومٌ «مفتنين» ، فمن قال : إنّي أعوذُ بك من الفِتْنة ، وأرادَ الجائحة ، أو الإحراق أو الضلال ، فلا بأس بذلك ، وإنْ أراد الاختبار والامتحانَ فغيرُ جائز ؛ لأنّ اللّه تعالى أعلمُ بالمَصلَحة ، وله أن يَختبِر عبادَه لا ليَعلَمَ حالَهم ، بل ليَعلَم بعضُ عبادِه حالَ بعض ، وعندي أنّ أصلَ اللّفظة هو الاختبار والامتحان ، وأنّ الاعتبارات الأُخرى راجعة إليها ، وإذا تأمَّلْتَ علمتَ صحّةَ ما ذكرناه .
[١] سورة البروج ١٠ .[٢] سورة الذاريات ١٣ .[٣] سورة الصافات ١٦٢ ، ١٦٣ .