تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٧٢
أين شاءت ؛ لأنّه إنما يردّها زمامها ، فإذا أُلقي حبلها على غاربها فقد أُهملت . والغارب : ما بين السَّنَام والعُنق . والمداحض : المزالق . وقيل : إنّ في النسخة التي بخط الرضيّ رضى الله عنه«غررتيهم» بالياء ، وكذلك « فتنتيهم» ، و «ألقيتيهم» ، و «أسلمتيهم» ، و « أوردتيهم» ، والأحسن حذف الياء ، وإذا كانت الرواية وردت بها فهي من إشباع الكسرة . ومضامين اللحود ، أي الذين تضمنتهم ، وفي الحديث نهى عن بيع المضامين والملاقيح ، وهي ما في أصلاب الفحول وبطون الإناث . ثم قال : لو كنتِ أيتها الدنيا إنسانا محسوسا ، كالواحد من البَشَر ؛ لأقمتُ عليك الحدّ كما فعلتِ بالناس . ثم شرح أفعالها فقال : منهم مَنْ غررتِ ، ومنهم من ألقيتِ في مهاوي الضلال والكفر ، ومنهم من أتلفتِ وأهلكتِ . ثم قال : ومن وطئ دَحْضك زلق ، مكان دَحْض أي مزلّة . ثم قال : لا يبالي مَنْ سلم منك إن ضاق مناخه ، لا يبالي بالفقر ، ولا بالمرض ولا بالحبوس والسجون وغير ذلك من أنواع المحن ! لأنّ هذا كله حقير لا اعتداد به في جَنْب السلامة من فتنة الدنيا . قال : والدّنيا عند من قد سَلِم منها كيوم قرب انقضاؤه وفناؤه .
الأصْلُ:
.اُعْزُبِي عَنِّي ! فَوَاللّه ِ لاَ أُذِلُّ لَكِ فَتَسْتَذِلِّينِي ، وَلاَ أَسْلَسُ لَكِ فَتَقُودِينِي . وَايْمُ اللّه ِ - يَمِيناً أَسْتَثْنِي فِيهَا بِمَشِيئَةِ اللّه ِ - لَأَرُوضَنَّ نَفْسِي رِيَاضَةً تَهُشُّ مَعَهَا إِلَى الْقُرْص إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ مَطْعُوماً ، وَتَقْنَعُ بِالْمِلْحِ مَأْدُوماً ؛ وَلَأَدَعَنَّ مُقْلَتِي كَعَيْنِ مَاءٍ نَضَبَ مَعِينُهَا ، مُسْتَفْرِغَةً دُمُوعُهَا . أَتَمْتَلِئُ السَّائِمَةُ مِنْ رِعْيِهَا فَتَبْرُكَ ؟ وَتَشْبَعُ الرَّبِيضَةُ مِنْ عُشْبِهَا فَتَرْبِضَ ؟ وَيَأْكُلُ عَلِيٌّ مِنْ زَادِهِ فَيَهْجَعَ ! قَرَّتْ إِذاً عَيْنُهُ إِذَا اقْتَدَى بَعْدَ السِّنِينَ الْمُتَطَاوِلَةِ بِالْبَهِيمَةِ الْهَامِلَةِ ، وَالسَّائِمَةِ الْمَرْعِيَّةِ ! طُوبَى لِنَفْس أَدَّتْ إِلَى رَبِّهَا فَرْضَهَا ، وَعَرَكَتْ بِجَنْبِهَا بُؤْسَهَا ، وَهَجَرَتْ فِي اللَّيْلِ غُمْضَهَا ، حَتَّى إِذَا غَلَبَ الْكَرَى عَلَيْهَا افْتَرَشَتْ أَرْضَهَا ، وَتَوَسَّدَتْ كَفَّهَا . فِي مَعْشَرٍ أَسْهَرَ عُيُونَهُمْ خَوْفُ مَعَادِهِمْ ، وَتَجَافَتْ عَنْ مَضَاجِعِهِمْ جُنُوبُهُمْ ، وَهَمْهَمَتْ بِذِكْرِ