تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٦١
.ومن وصية له عليه السلام لعبد اللّه بن العباس ل حَاجِجْهُمْ بالسُّنَّةِ ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَجِدُوا عَنْهَا مَحِيصاً .
الشّرْحُ:
هذا الكلام لا نظير له في شرفه وعلوّ معناه ، وذلك أنّ القرآن كثير الاشتباه ، فيه مواضع يُظنّ في الظاهر أنها متناقضة متنافية ، نحو قوله : «لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ» [١] وقوله : «إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ» [٢] ، ونحو قوله : «وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْن أيْدِيهمْ سَدّا وَمِنْ خَلْفهِمْ سَدّافأغْشَيناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصرُون» [٣] وقوله : «وأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاسْتَحبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى» [٤] ، ونحو ذلك ، وهو كثير جدّا ؛ وأمّا السنة فليست كذلك ، وذلك لأنّ الصحابة كانت تسأل رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلموتستوضح منه الأحكام في الوقائع ، وما عساه يشتبه عليهم من كلامه ؛ يراجعونه فيه ؛ ولم يكونوا يراجعونه في القرآن إلاّ فيما قلّ ؛ بل كانوا يأخذونه منه تلقّفا ، وأكثرهم لا يفهم معناه ، لا لأنّه غير مفهوم ؛ بل لأنهم ما كانوا يتعاطوْن فهمه . وكانوا في السنّة ومخاطبة الرسول على خلاف هذه القاعدة ، فلذلك أوصاه عليٌّ عليه السلام أن يحاجَّهم بالسنة لا بالقرآن . فإن قلت : فهل حاجّهم بوصيّته؟ قلت : لا ، بل حاجّهم بالقرآن ، مثل قوله : «فابْعَثُوا حَكما مِنْ أهلِهِ وَحَكما مِنْ أهلِهَا» [٥] ومثل قوله في صيد المحرم : «يَحْكُمُ به ذَوَا عَدْلٍ مِنكم» [٦] ؛ ولذلك لم يرجعوا والتحمت الحرب ، وإنما رجع باحتجاجه نفر منهم . فإن قلت : فما هي السنّة التي أمره أن يحاجّهم بها؟ قلت : كان لأمير المؤمنين عليه السلام في ذلك غرض صحيح ، وإليه أشار ، وحوله كان يطوف ويحوم ، وذلك أنه أراد أن يقول لهم : قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : «عليٌّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ
[١] سورة الأنعام ١٠٣ .[٢] سورة القيامة ٢٣ .[٣] سورة يس ٩ .[٤] سورة فصّلت ١٧ .[٥] سورة النساء ٣٥.[٦] سورة المائدة ٩٥ .