تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٩٠
.ومن خطبة له عليه السلام فَاعْتَصِمُوا بِتَقْوَى اللّهِ ، فَإِنَّ لَهَا حَبْلاً وَثِيقاً عُرْوَتُهُ ، وَمَعْقِلاً مَنِيعاً ذِرْوَتُهُ . وَبَادِرُوا الْمَوْتَ وَغَمَرَاتِهِ ، وَامْهَدُوا لَهُ قَبْلَ حُلُولِهِ ، وَأَعِدُّوا لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ ؛ فَإِنَّ الْغَايَةَ الْقِيَامَةُ ؛ وَكَفَى بِذلِكَ وَاعِظاً لِمَنْ عَقَلَ ، وَمُعْتَبَراً لِمَنْ جَهِلَ ! وَقَبْلَ بُلُوغِ الْغَايَةِ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ ضِيقِ الْأَرْمَاسِ ، وَشِدَّةِ الاْءِبْلاَسِ ، وَهَوْلِ الْمُطَّـلَعِ ، وَرَوْعَاتِ الْفَزَعِ ، وَاخْتلاَفِ الْأَضْلاَعِ ، وَاسْتِكَاكِ الْأَسْمَاعِ ، وَظُلْمَةِ اللَّحْدِ ، وَخِيفَةِ الْوَعْدِ ، وغَمِّ الضَّرِيحِ ، وَرَدْمِ الصَّفِيحِ . فَاللّهَ اللّهَ عِبَادَ اللّهِ ! فَإِنَّ الْدُّنْيَا مَاضِيَةٌ بِكُمْ عَلَى سَنَنٍ ، وَأَنْتُمْ وَالسَّاعَةُ فِي قَرَنٍ ، وَكَأنَّهَا قَدْ جَاءَتْ بِأَشْرَاطِهَا ، وَأَزِفَتْ بِأَفْرَاطِهَا ، وَوَقَفَتْ بِكُمْ عَلَى صِرَاطِهَا . وَكَأَ نَّهَا قَدْ أَشْرَفَتْ بِزَلاَزِلِهَا ، وَأَنَاخَتْ بِكَلاَكِلِهَا ، وَانْصَرَفَتِ الدُّنْيَا بِأَهْلِهَا ، وَأَخْرَجَتْهُمْ مَنْ حِضْنِهَا ، فَكَانَتْ كَيَوْمٍ مَضَى ، وشَهْرٍ انْقَضَى ، وَصَارَ جَدِيدُهَا رَثّاً ، وَسَمِينُهَا غَثّاً . فِي مَوْقِفٍ ضَنْكِ الْمَقَامِ ، وَأُمُورٍ مُشْتَبِهَةٍ عِظَامٍ ، وَنَارٍ شَدِيدٍ كَلَبُهَا ، عَالٍ لَجَبُهَا ، سَاطِعٍ لَهَبُهَا ، مُتَغَيِّظٍ زَفِيرُهَا ، مُتَأَجِّجٍ سَعِيرُهَا ، بَعِيدٍ خُمُودُهَا ، ذَاكٍ وُقُودُهَا ، مَخُوفٍ وَعِيدُهَا ، عَمٍ قَرَارُهَا ، مُظْلِمَةٍ أَقْطَارُهَا ، حَامِيَةٍ قُدُورُهَا ، فَظِيعَةٍ أُمُورُهَا . «وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَـنَّةِ زُمَراً» . قَدْ أُمِنَ الْعَذَابُ ، وَانْقَطَعَ الْعِتَابُ ؛ وَزُحْزِحُوا عَنِ النَّارِ ، وَاطْمَأَ نَّتْ بِهِمُ الدَّارُ ، وَرَضُوا الْمَثْوَى وَالْقَرَارَ ، الَّذِينَ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا زَاكِيَةً ، وَأَعْيُنُهُمْ بَاكِيَةً ، وَكَانَ لَيْلُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ نَهَاراً ، تَخَشُّعاً وَاسْتِغفَاراً ؛ وَكَانَ نَهَارُهُمْ لَيْلاً ؛ تَوَحُشّاً وَانْقِطَاعاً ، فَجَعَلَ اللّهُ لَهُمُ الْجَنَّةَ مَآباً ، وَالْجَزَاءَ ثَوَاباً ، وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ، فِي مُلْكٍ دَائِمٍ ، وَنَعِيمٍ قَائِمٍ . فَارْعَوْا عِبَادَ اللّهِ مَا بِرِعَايَتِهِ يَفُوزُ فَائِزُكُمْ ، وَبِإِضَاعَتِهِ يَخْسَرُ مُبْطِلُكُمْ . وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بأَعْمَالِكُمْ ؛ فَإِنَّكُمْ مُرْتَهَنُونَ بِمَا أَسْلَفْتُمْ ، وَمَدِينُونَ بِمَا قَدَّمْتُمْ ، وَكَأَنْ قَدْ نَزَلَ بِكُمُ الْمَخُوفُ ، فَلاَ رَجْعَةً تَنَالُونَ ، وَلاَ عَثْرَةً تُقَالُونَ . اسْتَعْمَلَنَا اللّهُ وَإِيَّاكُمْ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ، وعَفَا عَنَّا وَعَنْكُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ .