تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٥٧
.ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله وَعُرِضَتْ عَلَيْكَ أَعْمَالُكَ بِالمحَلِّ الَّذِي يُنَادِي الظَّالِمُ فِيهِ بِالْحَسْرَةِ ، وَيَتَمَنَّى الْمُضَيِّعُ فِيهِ الرَّجْعَةَ ، وَلاَتَ حِينَ مَنَاص [١] .
الشّرْحُ:
أشركتك في أمانتي : جعلتك شريكا فيما قمتُ فيه من الأمر ، وائتمنني اللّه عليه من سياسة الأُمّة ، وسمّى الخلافة أمانةً كما سمّى اللّه تعالى التكليف أمانةً في قوله : «إنّا عَرَضْنا الأَمَانَةَ» [٢] . فأمّا قوله : وأداء الأمانة إليّ فأمرٌ آخر ، ومراده بالأمانة الثانية ما يتعارفه الناس من قولهم : فلان ذو أمانة ، أي لا يخون فيما أُسند إليه . وكلِب الزمان : اشتدّ ؛ وكذلك كلِب البردُ . وحَرِب العدوّ : استأسد . وخزيتْ أمانة الناس : ذلّت وهانت . وشَغَرت الأُمّة : خلت من الخير ، وشَغَر البلد : خلا من الناس . وقلبتُ له ظهر المجنّ : إذا كنت معه فصرت عليه ؛ وأصل ذلك أنّ الجيش إذا لقوا العدوّ وكانت ظهور مجانّهم إلى وجه العدوّ ، وبطون مجانّهم إلى وجه عسكرهم ، فإذا فارقوا رئيسهم وصاروا مع العدوّ كان وضع مجانّهم بدلاً من الوضع الذي كان من قبل ، وذلك أنّ ظهور التّرسة لا يمكن أن تكون إلاّ في وجوه الأعداء ؛ لأنها مَرمى سهامهم . وأمكنتك الشدة ، أي الحملة . قوله : «أسرعت الكرّة» ، لا يجوز أن يقال : الكرّة إلاّ بعد فرّة ، فكأنه لما كان مقلعا في ابتداء الحال عن التعرّض لأموالهم ، كان كالفارّ عنها ، فلذلك قال : أسرعت الكرّة . والذئب الأزلّ : الخفيف الوَرِكين ، وذلك أشدّ لعدوه ، وأسرَع لوثبته ، وإن اتفق أن تكون شاةٌ من المِعزَى كسيرة ودامية أيضا ، كان الذئب على اختطافها أقدر . ونقاش الحساب : مناقشته . قوله : «فضحّ رويداً» ، كلمة تقال لمن يؤمر بالتؤدة والأناة والسكون ، وأصلها الرّجل يطعم إبله ضحى ، ويسيّرها مسرعا ليسير ، فلا يشبعها ، فيقال له : ضَحِّ رويدا . وقد اختلف الناس في المكتوب إليه هذا الكتاب . فقال الأكثرون : إنه عبد اللّه بنُ العباس رحمه الله ، وروَوْا في ذلك روايات ، واستدلُّوا عليه بألفاظ
[١] الشعار : الثوب الملتصق بالجسم . بطانتي : خاصتي . المؤازرة : المناصرة . كَلِبَ الزمان : اشتدّ . فتكتْ : كذبت . آسيت : ساعدت . غرتهم : غفلتهم . حدرت : أسرعت . تسيغ شرابا : تبلعه . وأفاء المال عليه : جعله غنيمة له . الهوادة : اللين والرفق . المدى : الغاية . المناص : المضرّ .[٢] سورة الأحزاب ٧٢ .[٣] إنّ هذه القصة كانت مسرحاً لاصطراع المؤرخين والرواة ، فمنهم المثبت لها ، ومنهم النافي ، ومنهم المتوقف في أمرها . وأقدم المثبتين لها الطبري ، وعنه أخذ مَن تأخّر عنه كابن الأثير وابن خلدون ، وصاحب العقد الفريد ، وحتى الكشي ، وقد بالغ بعضهم في المبلغ الذي حمله حتى أوصله بعضهم إلى ستة ملايين من الدراهم . اعتماداً على عدة رسائل تبودلت بين الإمام ، وابن عباس ، رواها شخص واحد وهذه الروايات رويت بأحاديث الآحاد ، ومثلها لا تبحث كذلك ، وقد نوقشت في أسانيدها . ولذا فلا يمكن الاطمئنان إليها ، لأنّ ذلك يعني تجاهل حال الوضاعين وتربصهم في ذلك الزمان له ، وتربّص المناوئين للعباسيين من شعراء وثوار ، وتجاهل لإغفال الأمويين كمعاوية وابن العاص ، وعدم تطرّق هؤلاء جميعاً لهذه الحادثة ، وأُمور أُخر لا يسع المجال لذكرها . مضافاً إلى سكوت أهل البيت عليهم السلام عن هذه القضية ، وعدم حدوث خلاف بين أحد منهم وبينه . كل هذه الأُمور تبعث على التشكيك أو التردد في الأخذ بهذا الرأي . وأمّا النافون ، فقد اعتمدوا على ما روي أنه رحمه الله بقي في البصرة إلى عهد الإمام الحسن الزكي عليه السلام ، وشهد الصلح معه . وأيدوا كلامهم ؛ بأنّ الإمام عليّاً عليه السلام ما كان يجتمع عنده في بيت المال لحاجته إلى الأموال ، وقد كان يفرّغ بيت مال الكوفة كل خمس ويرشّه [أمالي المرتضى ١:٢٣ ، ط السعادة المصرية ] . والواقع أنّ النفي بهذا الشكل تأباه طبيعة البحث الموضوعي ، مع تعرض جملة من المؤرخين له ، مضافاً إلى أنّ القصّة وردت على لسان عبد اللّه بن الزبير في ملاحاة له مع ابن عباس ، وعدم إنكار الأخير له ، كما وردت على لسان قيس بن سعد . والحق أن نقول : إن يده امتدت إلى بيت المال بمبرر شرعي ووصل الخبر إلى الإمام عليه السلام عن طريق أبي الأسود الدؤلي ، وقد كتب الإمام عليه السلام إليه مؤنّباً ، ثم دارت بينهما بعض المراسلات ، انتهت بإرجاع ما أخذ من مال ، ثم رضي الإمام عنه ، وأبقاه على منصبه بالبصرة . دون أن يخدش ذلك في شخصيته ، أو في تديّنه وورعه ، ولا شك أنّ أخذه للمال كان بدافع الحاجة إليه ، ومن حقّه المكتوب له في الخمس . وهذا الأخذ للمال صحيح بعنوانه الأولي ، ثم أمَرَه الإمام عليه السلام بإرجاعه لطرو عنوان ثانوي ملزم ، كخوفه أنْ يدبّ التهامس بين الناس حول هذا الموضوع ، وعند إصرار الإمام أرجع الأموال ، وامتثل أمر إمامه . ففي مكارم الأخلاق للطبرسي ص١٣١ : « عن عبد اللّه بن عباس ، لما رجع من البصرة وحمل المال ودخل الكوفة ، وجد أمير المؤمنين عليه السلام قائماً في السوق ، وهو ينادي بنفسه ، معاشر الناس ، ... إلخ : فسلّمتُ عليه فردّ عليّ السلام ، ثم قال : يا ابن عباس ما فعل المال ؟ فقلتُ ها هو يا أمير المؤمنين ، وحملته إليه فقرّبني ورحّبَ بي ... » . وأمّا مقدار المال ، فلم يتجاوز العشرة آلاف درهم . ذكر ذلك اليعقوبي ٢:١٨١ . فأخذُ المال إذاً كان بحق ، وإرجاعه كان بحقٍّ أيضاً ، لطرو العنوان الثانوي كما ذكرنا ، وبعد هذا فلا سرقة ولا ��يانة ، وبقي رحمه الله على منصبه في البصرة وهذا يدلّ على رضا إمامه عنه وصلاحه لما ينهض به . وقد صرّح في جوابه لابن الزبير : « وأمّا حملي المال ، فإنّه كان مالاً جَبيناه ، وأعطينا كلَّ ذي حق حقّه ، وبقيت بقيّة هي دون حقنا في كتاب اللّه ، فأخذنا بحقنا » ذكره ابن أبي الحديد في شرحه ٢٠:١٣١ وعلى أي فقد كانت له وجهة نظر لها أساس من الشرع ، كما صرّح به قيس بن سعد في خطبته ، برواية أبي الفرج الاصفهاني : (وهو يزعم أنها حلال) ، وظل ابن عباس وفياً لإمامه ولأبنائه من بعده ، واعتقاد إمامتهم ، وأي عبد لا تصدر منه زلة ؟ وإنما العبرة بالتوبة والإنابة وعدم الإصرار عليها . ومن أولى بذلك من حبر الأُمّة وربيب الإسلام . [انظر تفصيل ذلك في كتاب عبد اللّه بن عباس للعلامة السيد محمد تقي الحكيم ص٣٨٦ ـ ٤٠٢] .