تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٧١
ثمّ استنزَرَ عَددُهم فقال : «وكم ذا ؟» ، أي كم ذا القَبِيل ؟ وكم ذا الفريق ؟ ثم قال : « وأين أولئك ؟» استَبهَم مكانَهم ومحلَّهم . ثم قال : هم الأقلّون عَدداً ، الأعْظمون قَدْرا . ثمّ ذكر أنّ العِلم هجم بهم على حقيقة الأمر ، وانكَشَف لهم المستور المغطَّى ، وباشَروا راحَة اليقين وبَرْدَ القَلْب وثَلْج العلم ، واستَلاَنوا ما شَقّ على المترَفين من النّاس ، ووعر عليهم نحو التوحّد ورفض الشّهوات وخُشونة العيشة . «وأنسِوا بما استَوحَش منه الجاهلون» ، يعني العُزْلَة ومجانَبةَ الناس ، وطول الصّمت ، وملازَمة الخَلْوة ؛ ونحوَ ذلك ممّا هو شِعار القوم . « وصَحِبوا الدّنيا بأرواحٍ أبدانُها معلَّقةٌ بالَمحَلّ الأعلى» ، هذا ممّا يقوله أصحابُ الحِكمة مِن تعلّق النفوس المجرَّدة بمبادئها من العقول المفارقة ، فمن كان أزكَى كان تعلُّقُه بها أتَمَّ . ثم قال : « أولئك خُلفاء اللّه في أرضِه ، والدعاةُ إلى دينه» ، لا شُبهةَ أنّ بالوصول يستحقّ الإنسان أن يسمَّى خليفة اللّه في أرضِه ، وهو المعني بقوله سبحانه للملائكة «إنِّي جاعلٌ في الأرض خليفة» [١] ، وبقوله : «هُوَ الذي جَعَلكُمْ خَلائِفَ الأرْض» [٢] . ثم قال : «آهِ آهِ شوقا إلى رؤيتهم !» ، هو عليه السلام أحقّ الناس بأنَ تشتاق إلى رؤيتهم ؛ لأنّ الجنسية عِلّة الضمّ ، والشيء يشتاق إلى ما هو من سِنْخِه وسُوسَتِه وطبيعته ، ولما كان هو عليه السلام شيخ العارفين وسيّدَهم ، لا جَرَم اشتاقت نفسه الشريفةُ إلى مُشاهدةِ أبناءِ جنسِه ، وإن كان كلُّ واحد من الناس دونَ طبقته . ثم قال لِكمَيل : «اِنصرف إذا شئت» ، وهذه الكلمة من محاسِن الآداب ، ومن لطائف
[١] سورة البقرة ٣٠ .[٢] سورة الأنعام ١٦٥ .