تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٠٦
٥٨
الأصْلُ:
.اللِّسَانُ سَبُعٌ ، إِنْ خُلِّيَ عَنْهُ عَقَرَ .
الشّرْحُ:
وكان يقال : إن كان في الكلام دَرك ففي الصّمت عافية . وقالت الحكماء : النّطق أشرَف ما خُصّ به الإنسان ؛ لأنّه صورتُه المعقولة الّتي بايَنَ بها سائرَ الحيوانات ، ولذلك قال سبحانه : «خَلَقَ الإنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ» [١] ، ولم يقل : « وعلّمه » بالواو ؛ لأنّه سبحانه جَعَل قوله : «عَلَّمَهُ الْبَيَانَ» تفسيرا لقوله : «خَلَقَ الإنْسَانَ» ، لا عطفا عليه ؛ تنبيها على أنّ خلْقه له وتَخصِيصَه بالبيان الذي لو توهّم مرتفِعا لارتفَعْتْ إنسانيّته ، ولذلك قيل : ما الإنسانُ لولا اللّسانُ إلاّ بهيمةٌ مُهمَلة ، أو صورةٌ ممثَّلة . وقال الشاعر : لسانُ الفَتَى نصفٌ ونِصفٌ فؤادُهُ فلم يَبقَ إلاّ صورة اللّحمِ والدَّمِ [٢] قالوا : والصّمت من حيثُ هو صَمْتٌ مَذْموم ، وهو من صفات الجَمادات ، فَضْلاً عن الحيوانات ، وكلامُ أمير المؤمنين عليه السلام وغيرِه من العُلَماء في مَدْح الصّمت محمول على مَنْ يسيء الكلامَ فيقَعُ منه جِنايات عظيمة في أُمور الدِّين والدّنيا ، كما رُوِي في الخبر : «إنّ الإنسان إذا أصبَح قالت أعضاؤه للسانِه : اتّق اللّه َ فينا ، فإنّك إن استقَمتَ نجوْنا ، وإن زُغْت هَلَكْنا» ، فأما إذا اعتُبر النُّطقُ والصَّمتُ بذاتَيْهما فقط فمُحالٌ أن يقال في الصمت فضلٌ ، فضلاً عن أن يخايَرَ ويقايَسَ بينه وبين الكلام .
[١] سورة الرحمن ٣ و٤ .[٢] ينسب لزهير ، من معلقته بشرح الزوزني ٩٤ .