تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢١
عُشْوة ، ويجوز بالضمّ والفَتْح . «وضربوا بهم في غَمْرة جهالة» ، أي وضربوا من ذكر هؤلاء الموتى في بحر جهلٍ ، والضرب هاهنا : استعارة ، أو يكون من الضّرب بمعنى السير ، كقوله تعالى : «وإذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ» [١] ، أي خاضوا وسبحوا من ذكرهم في غمرة جهالة ، وكلُّ هذا يرجع إلى معنى واحد ، وهو تسفيه رأي المفتخرين بالموتى ، والقاطعين الوقت بالتكاثر بهم ؛ إعراضاً عمّا يجب إنفاقه من العمر في الطاعة والعبادة . ثم قال : لو سألوا عنهم ديارهم التي خلت منهم ، ويمكن أن يريد بالديار والربوع القبور . «لقالت : ذهبوا في الأرض ضُلاّلاً» ، أي هالكين ، ومنه قوله تعالى : «وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَديدٍ» [٢] . «وذهبتم في أعقابهم» ، أي بعدهم جهالاً ؛ لغفلتكم وغروركم . قوله عليه السلام : «تَطؤون في هامهم» ، أخذ هذا المعنى أبو العلاء المعرّي ، فقال : خَفّفِ الوطْ ء ما أظنّ أديمَ الـ أرْضِ إلاَّ مِنْ هَذِه الأجْسَادِ رُبّ لحدٍ قَد صار لحدا مِرارا ضَاحكٍ من تزاحُم الأضْدَادِ قوله : «وتستنبتون في أجسادهم» ، أي تزرعون النَّبات في أجسادهم ؛ وذلك لأنّ أديم الأرض الظاهر إذا كان من أبدان الموتى ، فالزّرع لا محالة يكون نابتا في الأجزاء التّرابية التي هي أبدان الحيوانات . وروي : «وتستثبتون» ، بالثاء ، أي وتنصبون الأشياء الثابتة كالعَمد والأساطين للأوطان في أجساد الموتى . ثم قال : «وترتعون فيما لفظوا» ، لفَظتُ الشيء بالفتح : رميتُه من فمي ، ألفِظه بالكسر ، ويجوز أن يريد بذلك أنّكم تأكلون ما خلّفوه وتركوه . ويجوز أن يريد أنّكم تأكلون الفواكه التي تنبت في أجزاء ترابيّة خالطها الصديد الجاري من أفواههم . ثم قال :«وتسكنون فيما خرّبوا» ، أي تسكنون في المساكن التي لم يعمروها بالذكر والعبادة ، فكأنهم أخربوها في المعنى ، ثم سكنتم أنتم فيها بعدهم . ويجوز أن يريد أنّ كلّ دار عامرة قد كانت من قبل خرِبة ، وإنّما أخربها قوم بادوا وماتوا . ويجوز أن يريد بقوله : « وتسكنون فيما خربوا» ، وتسكنون في دورٍ فارقوها وأخلوْها ، فأطلقَ على الخلوّ والفراغ لفظ «الخراب » مجازاً . قوله : «وإنّما الأيّام بينكم وبينهم بواكٍ ونوائحُ عليكم» ، يريدأنّ
[١] سورة النساء ١٠١ .[٢] سورة السجدة ١٠ .