تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٠٤
يُحاط ويُحمَى ، إذ لا يتخوّف منهم بائقة لا في مال يخونون فيه ، ولا في دَوْلة يُفسِدونها . وحواشي البلاد : أطرافها . ثم قال له : قد يكون في كثير منهم نوعٌ من الشحّ والبُخْل فيدعوهم ذلك إلى الاحتكار في الأقوات ، والحَيْف في البياعات . والاحتكار : ابتياع الغلاّت في أيام رخصها ، وادّخارها في المخازن إلى أيام الغلاء والقَحْط . والحَيْف : تطفيفٌ في الوزن والكيل ، وزيادةٌ في السعر ، وهو الذي عبّر عنه بالتحكّم ، وقد نهى رسولُ اللّه صلى الله عليه و آله وسلمعن الاحتكار ؛ وأمّا التطفيف وزيادة التَّسْعير فمنهيٌّ عنهما في نص الكتاب . وقارَفَ حُكْرة : واقعها ، والحاء مضمومة ، وأمرَه أن يؤدب فاعل ذلك من غير إسراف ، وذلك أنّه دون المعاصي التي توجب الحدود ، فغاية أمرِه من التعزير الإهانة والمنع .
الأصْلُ:
.ثُمَّ اللّه َ اللّه َ فِيالطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لاَ حِيلَةَ لَهُمْ ، مِنَ الْمَسَاكِينِ وَالُْمحْتَاجِينَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَى وَالزَّمْنَى ، فإِنَّ فِي هذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً وَمُعْتَرّاً . وَاحْفَظْ للّه ِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ ، وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكَ ، وَقِسْماً مِنْ غَـلاَّتِ صَوَافِي الاْءِسْلاَمِ فِي كُلِّ بَلَد ، فإِنَّ لِـلْأَقْصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِـلْأَدْنَى ؛ وَكُلٌّ قَدِ اسْتُرْعِيتَ حَقَّهُ . وَلاَ يَشْغَلَنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرٌ ، فَإِنَّكَ لاَ تُعْذَرُ بِتَضْيِيع التَّافِهَ لإحْكَامِكَ الْكَثِيرَ الْمُهِمَّ ؛ فَـلاَ تُشْخِصْ هَمَّكَ عَنْهُمْ ، وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لَهُمْ ، وَتَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لاَ يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْهُمْ ، مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُيُونُ ، وَتَحْقِرُهُ الرِّجَالُ ؛ فَفَرِّغْ لِأُولئِكَ ثِقَتَكَ مِنْ أَهْلِ الْخَشْيَةِ وَالتَّوَاضُعِ ، فَلْيَرْفَعْ إِلَيْكَ أُمُورَهُمْ . ثُمَّ اعْمَلْ فِيهِمْ بَالاْءِعْذَارِ إِلَى اللّه ِ يَوْمَ تَلْقَاهُ ، فَإِنَّ هؤُلاَءِ مِنْ بَيْنِ الرَّعِيَّةِ أَحْوَجُ إِلَى الاْءِنْصَافِ مِنْ غَيْرِهِمْ ؛ وَكُلٌّ فَأَعْذِرْ إلَى اللّه ِ فِي تَأْدِيَةِ حَقِّهِ إِلَيْهِ . وَتَعَهَّدْ أَهْلَ الْيُتْمِ وَذَوِي الرِّقَّةِ فِي السِّنِّ مِمَّنْ لاَ حِيلَةَ لَهُ ، وَلاَ يَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ ، وَذلِكَ عَلَى الْوُلاَةِ ثَقِيلٌ ، وَالْحَقُّ كُلُّهُ ثَقِيلٌ ؛ وَقَدْ يُخَفُهُ اللّه ُ عَلَى أَقْوَامٍ طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ ، وَوَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللّه ِ لَهُمْ .