تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٦٧
عليها نفوسُ قوم ، أي بخلتْ وسختْ عنها نفوسُ آخرين ، أي سامحت وأغْضَت . وليس يعني هاهنا بالسخاء إلاّ هذا ، لا السخاء الحقيقيّ ؛ لأنّه عليه السلام وأهله لم يسمحوا بفَدَك إلاّ غصباً وقَسْرا ؛ وقد قال هذه الألفاظ في موضع آخر فيما تقدّم [١] ، وهو يعني الخلافة بعد وفاةِ رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم . ثم قال : «ونعم الحَكَم اللّه » ، الحَكَم : الحاكم ، وهذا الكلام كلامُ شاكٍ متظلّم ، ثم ذكر مالَ الإنسان وأنّه لا ينبغي أن يكترث بالقَيْنات والأموال ، فإنّه يصير عن قريب إلى دار البِلَى ومنازل الموتى . ثمّ ذكر أنّ الحُفرة ضيّقة ، وأنه لو وسّعها الحافر لألجأها الحجر المتداعي والمدَر المتهافت ، إلى أن تضغط الميّت وتزحمه . وهذا كلام محمول على ظاهره ؛ لأنّه خطاب للعامّة ، وإلاّ فأيّ فَرْق بين سعة الحُفرة وضِيقها على الميّت ! اللهمّ إلاّ أن يقول قائل : إنّ الميّت يحسّ في قبره ، فإذا قيل ذلك فالجاعل له إحِساسا بعد عدم الحسّ هو الّذي يوسّع الحفرة ، وإن كان الحافر قد جعلها ضيّقة ؛ فإذن هذا الكلام جيّد لخطاب العَرَب خاصّة ، ومن يَحمل الأمورَ على ظواهرها . ثم قال : «وإنّما هي نفسي أُروضُها بالتقوى» ، يقول : تَقلُّلي واقتصاري من المطعم والمَلبَس على الجَشِب والخَشِن رياضةٌ لنفسي ؛ لأنّ ذلك إنّما أعمله خوفا من اللّه أن أنغمس في الدنيا ، فالرياضة بذلك هي رياضةٌ في الحقيقة بالتقوى ، لا بنفس التقلّل والتقشُّف ؛ لتأتي نفسي آمنةً يومَ الفَزَع الأكبر ، وتثبت في مداحض الزّلَق .
الأصْلُ:
.وَلَوْ شِئْتُ لاَهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُصَفَّى هذَا الْعَسَلِ ، وَلُبَابِ هذَا الْقَمْحِ ، وَنَسَائِجِ هذَا الْقَزِّ . وَلكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الْأَطْعِمَةِ ـ
[١] قوله عليه السلام : «بلى كانت في أيدينا فدك ... إلى آخره» : أقول : هذا اللفظ صريح في أن فدكا كانت في يد فاطمة عليهاالسلام ، فاعجب للشارح ابن أبي الحديد في تعصّبه وتقويمه لما ذكره قاضي القضاة ، ورده على المرتضى رحمه الله ، وقوله في نصرة ما تمسك به قاضي القضاة : أنّه لو كانت في يدها وكانت متصرّفة فيها تصرّف الملاّك فلا حاجة إلى البيّنة ؛ لأنّ اليد أو الحيازة دليل الملكية ، فلم تحتج إلى دعوى النحلة وطلب البيّنة . فنحن نقول بموجبه ولا يلزم أن تحتج به عليهاالسلام ؛ لأنّهم قد واجهوها بأن كونها في يدكِ على وجه الارتفاق لا الملك ، فكيف تحتج بحجة قد بادرا إلى إبطالها بنزع يدها ودفعها ، بقولهم : كانت في يدِكِ حين كانت لأبيك ، والآن قد صارت للمسلمين فبطل تمسكك بها ، وهذا واضح ولذلك استدلت على ملكيتها عليهاالسلام بآيات الميراث ؛ وذلك لأنّ فدكا كانت أرضا مترامية الأطراف ، وليست من الأُمور التي يسهل معرفة حيازتها كما أنها كانت تبعد عن المدينة أياما ، وعلى هذا فما الذي كان يمنع الخليفة من مطالبته الزهراء بالبينة إذا ما ادعت ملكيتها؟ قال ابن أبي الحديد في شأن فدك : وقد أخلّ قاضي القضاة بلفظة حكاها عن الشيعة فلم يتكلّم عليها وهي لفظة جيدة ، قال : قد كان الأجمل أن يمنعهم التكرّم مما ارتكبا منها فضلاً عن الدِّين . وهذا الكلام لا جواب عنه ، ولقد كان التكرّم ورعاية حقّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم وحفظ عهده يقتضي أن تعوّض ابنته بشيء يرضيها إن لم يستنزل المسلمون عن فَدَك وتُسلم إليها تطييبا لقلبها . وقد يسوغ للإمام أن يفعل ذلك من غير مشاورة المسلمين إذا رأى المصلحة فيه ، وقد بعد العهد الآن بيننا وبينهم ، ولا نعلم حقيقة ما كان ، وإلى اللّه ترجع الاُمور . قال ابن أبي الحديد : وسألت علي بن الفارقيّ مدرّس المدرسة الغربية ببغداد ، فقلت له : أكانت فاطمة صادقة ؟ قال : نعم ، قلت : فلم لم يدفع إليها أبو بكر فَدَكاً وهي عنده صادقة ؟ فتبسّم ، ثمّ قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه وحُرْمته وقلّة دعابته ، قال : لو أعطاها اليوم فَدَكاً بمجرّد دعواها لجاءت إليه غدا وادّعت لزوجها الخلافة ، وزحزحزته عن مقامه ، ولم يكن يمكنه الاعتذار والموافقة بشيء ؛ لأنّه يكون قد سجل على نفسه أنّها صادقة فيما تدّعي كائنا ما كان [ من غير حاجة إلى بيّنة ولا شهود ؛ وهذا كلام صحيح ؛ وإن كان أخرجه مخرج الدّعابة والهزْل ] . انتهى .[٢] مرّت في الخطبة (١٦٣) .