تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٨٧
جعله عليه السلام عواري بين القلوب والصدور ؛ لأنهُ دون الثاني ، فلم يجعلهُ حالاًّ في القلب ، وجعلهُ مع كونه عارية حالاًّ بين القلب والصدر . فيكون أضعف مما قبله . فإن قلت : فما معنى قوله : «إلى أجل معلوم»؟ قلت : إنه يرجع إلى القسمين الأخيرين ؛ لأنّ من لا يكون إيمانُه ثابتا بالبرهان القطعيّ قد ينتقل إيمانه إلى أن يصير قطعيا ، بأن ينعم النّظر ويرتّب البرهان ترتيبا مخصوصا ، فينتج له النتيجة اليقينيّة ، وقد يصير إيمان المقلّد إيمانا جدليّا فيرتقي إلى ما فوقه مرتبته ، وقد يصير إيمان الجدليّ إيماناً تقليديا بأن يضعف في نظره ذلك القياس الجدليّ ، ولا يكون عالما بالبرهان ، فيؤول حالُ إيمانه إلى أن يصير تقليديّا ، فهذا هو فائدة قوله : «إلى أجل معلوم» في هذين القسمين . فأمّا صاحب القسم الأوّل فلا يمكن أن يكون إيمانه إلى أجل معلوم ؛ لأنّ مَنْ ظفر بالبرهان استحال أن ينتقل عن اعتقاده ، لا صاعداً ولا هابطاً ؛ أمّا لا صاعداً ، فلأنّه ليس فوق البرهان مقام آخر ، وأمّا لا هابطا ، فلأنّ مادّة البرهان هي المقدّمات البديهيّة والمقدّمات البديهيّة يستحيل أن تضعف عند الإنسان حتى يصير إيمانه جدليّا أو تقليديا . وثانيها : قوله عليه السلام : «فإذا كانت لكم براءة» ، فنقول : إنّه عليه السلام نهى عن البراءة من أحدٍ ما دام حيّا ، لأنّه وإن كان مخطئا في اعتقاده ، لكن يجوز أن يعتقد الحقّ فيما بعد ، وإن كان مخطئا في أفعاله ، لكن يجوز أن يتوبَ . فلا تحلّ البراءة من أحد حتى يموت على أمرٍ ؛ فإذا مات على اعتقادٍ قبيح أو فعل قبيح جازت البراءة منه . وثالثها : قوله : «والهجرة قائمة على حدّها الأوّل» ، فنقول : هذا كلام يختصّ به أميرالمؤمنين عليه السلام ، وهو من أسرار الوصيّة ، لأنّ الناس يروُون عن النبي صلى الله عليه و آله وسلم أنه قال : «لا هجرة بعد الفتح» [١] ، فشفع عمّه العباس في نعيم بن مسعود الأشجعيّ أن يستثنيَه ، فاستثناه ، وهذه الهجرة التي يشيرُ إليها أمير المؤمنين عليه السلام ليست تلك الهجرة ، بل هي الهجرة إلى الإمام ، قال : إنها قائمة على حدها الأوّل مادام التكليف باقياً [٢] ، وهو معنى قوله : «ما
[١] صحيح البخاري ٢:١٣٤ ، ومسلم ٣:١٤٨٩ ح٨٥ . وسنن الترمذي ٤:١٤٨ ، ح١٥٩٠ وغيرهم ووسائل الشيعة ، الحرّ العاملي ٥:١٠٢ . وقيل : إن المراد منه ، لا هجرة بعد فتح مكّة لأنها صارت دار الإسلام أبداً .[٢] صرّح كثير من فقهائنا ؛ بأنّ الهجرة باقية مادام الكفر باقياً ، أو الشرك قائماً ، واستدلّ له بعدة أدلة منها قوله عليه السلام : « لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها » . انظر : شرايع الإسلام ، للمحقق الحلي ١:٢٣٤ ، والمبسوط ، للطوسي ٣:٤ ، مجمع الفائدة ، ٧:٤٤٧ مسند أحمد ١:١٩٢ .