تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٢١
الأصْلُ:
.فَاعْتَبِرُوا بِحَالِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَبَنِي إِسْحَاقَ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ ؛ فَمَا أَشَدَّ اعْتِدَالَ الْأَحْوَالِ ، وَأَقْرَبَ اشْتِبَاهَ الْأَمْثَالِ ! تَأَمَّلُوا أَمْرَهُمْ فِي حَالِ تَشَتُّـتِهِمْ ، وَتَفَرُّقِهِمْ ، لَيَالِيَ كَانَتِ الْأَكَاسِرَةُ وَالْقَيَاصِرَةُ أَرْبَاباً لَهُمْ ، يَحْتَازُونَهُمْ عَنْ رِيفِ الاْفَاقِ ، وَبَحْرِ الْعِرَاقِ ، وَخُضْرَةِ الدُّنْيَا ، إِلَى مَنَابِتِ الشِّيحِ ، وَمَهَافِي الرِّيحِ ، وَنَكَدِ الْمَعَاشِ ، فَتَرَكُوهُمْ عَالَةً مَسَاكِينَ ، إِخْوَانَ دَبَرٍ وَوَبَرٍ . أَذَلَّ الْأُمَمِ دَاراً ، وَأَجْدَبَهُمْ قَرَاراً ، لاَ يَأْوُونَ إِلَى جَنَاحِ دَعْوَةٍ يَعْتَصِمُونَ بِهَا ، وَلاَ إِلَى ظِلِّ أُ لْفَةٍ يَعْتَمِدُونَ عَلَى عِزِّهَا ؛ فَالْأَحْوَالُ مُضْطَرِبَةٌ ، وَالْأَيْدِي مُخْتَلِفَةٌ ، وَالْكَثْرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ ، فِي بَلاَءِ أَزْلٍ ، وَأَطْبَاقِ جَهْلٍ ، مِنْ بَنَاتٍ مَوْءُدَةٍ ، وَأَصْنَامٍ مَعْبُودَةٍ ، وَأَرْحَامٍ مَقْطُوعَةٍ ، وَغَارَاتٍ مَشْنُونَةٍ .
الشّرْحُ:
قوله عليه السلام : «فما أشدّ اعتدال الأحوال !» ، أي ما أشبه الأشياء بعضها ببعض ! وإنّ حالكم لشبيهة بحال أولئك فاعتبروا بهم . قوله : «يحتازونهم عن الريف» يبعدونهم عنه ، والريف : الأرض ذات الخِصْب والزّرع ، والجمع أرياف ؛ ورافت الماشية أي رعت الرِّيف ، وقد أرفنا أيْ صرنا إلى الريف ، وأرافت الأرض أي أخصبت ، وهي أرض ريِّفة ، بتشديد الياء . وبحر العِراق : دجلة والفرات ، أمّا الأكاسرة فطردُوهم عن بَحْر العراق ، وأمّا القياصرة فطردُوهم عن ريف الآفاق ، أي عن الشام وما فيه من المرعى والمنتجَع . قوله عليه السلام : «أربابا لهم» ، أي ملوكا ، وكانت العرب تسمِّي الأكاسرة أربابا ، ولمّا عظم أمر حُذَيفة بن بدر عندهم سمّوه ربَّ مَعَدّ . ومنابت الشِّيح : أرض العرب ، والشِّيحُ : نَبْت معروف . ومَهافِي الريح : المواضع التي تهفو فيها ، أي تهِبّ وهي الفيافي والصحاري . ونكَد المعاش : ضيقه وقلّته . وتركوهم عالَةً ، أي فقراء ، جمع عائل ، والعائل ذو العَيْلة والعَيْلة : الفقر ، قال تعالى : «وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُم اللّه ُ مِنْ فَضْلِهِ» [١] ، نظيره قائد وقادة ، وسائس وساسة .
[١] سورة التوبة ٢٨ .