تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٥٢
الشّرْحُ:
هذا الفصل يُشكل عليّ تأويله ؛ لأنّ أهل مصرَ هم الّذين قتلوا عثمانَ ، وإذا شهد أميرُ المؤمنين عليه السلام أنهم غضبوا للّه حين عُصيَ في الأرض ، فهذه شهادة قاطعةٌ على عثمانَ بالعصيان ، وإتيان المنكَر . ثم وصف الأشتر بما وصفه به ، ومِثلُ قولِه : «لا ينام أيّام الخوف» ، قولُهم : لا ينام ليلة يخاف ، ولا يَشبَع ليلة يُضاف . ثم أمرهم أن يطيعوه فيما يأمرهم به ممّا يطابق الحقّ ، وهذا من شدّة دينِه وصلابته عليه السلام ، لم يسامح نفسَه في حقّ أحبِّ الخلق إليه أن يهمل هذا القيْد ، قال رسولُ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : «لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق» . قوله : «فإنه سيفٌ من سيوف اللّه » ، هذا لقبُ خالدِ بن الوليد ، لقّبه به أبو بكر ، لقتاله أهلَ الرّدة ، وقتلِه مُسيلِمة . والظُّبَة ، بالتخفيف : حدُّ السيف . والنابي من السيوف : الّذي لا يَقطع ؛ وأصلُه نبا ، أي ارتفع ؛ فلمّا لم يَقطَع كان مرتفعا ، فسمّيَ نابياً ؛ وفي الكلام حذفٌ تقديرُه : ولا نابي ضارب الضريبة ، وضارب الضريبة ، هو حدّ السيف ، فأمّا الضريبة نفسها فهو الشيء المضروبُ بالسيف ، وإنما دخلتْه الهاء وإن كان بمعنى « مَفْعول» ؛ لأنّه صار في عداد الأسماء ، كالنّطيحة والأكِيلة . ثم أمرهم بأن يطيعوه في جميع ما يأمرهم به من الإقدام والإحجام ، وقال : إنه لا يقدّم ولا يؤخّر إلاّ عن أمري ، وهذا إن كان قاله مع أنه قد سَنَح له أن يعمل برأيه في أُمور الحرب من غير مراجعته فهو عظيم جدّا ؛ لأنّه يكون قد أقامه مقامَ نفسه . وجاز أن يقول : إنه لا يفعل شيئا إلاّ عن أمري ، وإن كان لا يُراجعُه في الجزئيّات على عادة العرب في مِثل ذلك ؛ لأنّهم يقولون فيمن يثقون به نحوَ ذلك . وإن كان عليه السلام قال هذا القول عن الأشتر ؛ لأنّه قد قرّر معه بينه وبينه ألاّ يعمل شيئا قليلاً ولا كثيرا إلاّ بعد مراجعتِه ، فيجوز ، ولكن هذا بعيد ؛ لأنّ المسافة طويلة بين العراق ومصر ، وكانت الأُمور هناك تقف وتفسد . ثم ذكر أنّه آثرهم به على نفسه ، وعليّ عليه السلام كان يصول على الأعداء بالأشتر ، ويقوّي أنفسَ جيوشه بمقامه بينهم ، فلمّا بعثه إلى مصرَ كان مؤثرا لأهل مصرَ به على نفسه .