تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٤٠
الشّرْحُ:
نهاه أن يذكر من الكلام ما كان مضحكا ؛ لأنّ ذلك مِنْ شغل أرباب الهزل والبَطالة ، وقلّ أنْ يخلو ذلك من غيبة أو سخرية . ثم قال : وإن حكيت ذلك عن غيرك ، فإنه كما يستهجن الابتداء بذلك يستهجن حكايته عن الغير ؛ وذلك كلام فصيح ألا ترى أنّه لا يجوز الابتداء بكلمة الكفر ، ويكره أيضا حكايتها . فأما مشاورة النساء فإنّه من فِعْل عَجزَة الرجال . قوله عليه السلام : «فإنّ رأيَهنَّ إلى أفْن» الأفْن بالسكون : النقص ، والمتأفّن : المتنقّص ، يقال : فلان يتأفّن فلاناً ، أي يتنقّصه ويعيبه . ومن رواه «إلى أفَنٍ» بالتحريك فهو ضعيف الرأي ، أفِن الرجل يأفِن أفَنا ، أي ضعف رأيه . والوهن : الضعف . قوله : «واكفُفْ عليهنّ من أبصارهنّ» من هاهنا زائدة ؛ وهو مذهب أبي الحسن الأخفش في زيادة من في الموجب ، ويجوز أن يحمل على مذهب سيبويه ، فيعني به : فاكفف عليهنّ بعض أبصارهنّ . ثم ذكر فائدة الحجاب ، ونهاه أن يُدخِلَ عليهنّ من لا يُوثق به ؛ وقال : إنّ خروجهنّ أهونُ من ذلك ، وذلك لأنّ مَنْ تلك صفتُه يتمكن من الخلوة ما لا يتمكن منه مَنْ يراهنّ في الطرقات . قال : «ولا تملّك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها» ، أي لا تدخلها معك في تدبير ولا مشورة ، ولا تتعدّينّ حال نفسها وما يصلح شأنها . فإن المرأة ريحانةٌ ، وليست بقهرمانة ، أي إنما تصلح للمتعة واللذّة ، وليست وكيلاً في مال ، ولا وزيرا في رأي . ثم أكّد الوصيّة الأُولى ، فقال : لا تَعْدُ بكرامتها نفسها ، هذا هو قوله : «ولا تملّكها من أمرها ما جاوز نفسها» . ثم نهاه أن يطمِعَها في الشفاعات . فأما قوله عليه السلام : «إيّاك والتغاير في غير موضع غَيْرة» فقد قيل هذا المعنى ، قال بعض المحدثين : { يا أيّها الغائر مَهْ لا تغَرْ إلاّ لِمَا تُدْركه بالبَصَرْ } { ما أنت في ذلك إلاّ كمنْ بيّته الدبّ لرمْيِ الحجرْ } فأما قوله : «واجعل لكلّ إنسان من خَدَمك عملاً تأخذه به» ، قال أبرويز في وصيّتِهِ لولده شيرويه : ولا تجعل أمرك فوضَى بين خدمِك فيفسد عليك ملكك . وأمّا قوله : «فأكرِم عشيرتك فإنّهم جناحك» ، فقد تقدّم منّا كلام في وجوب الاعتضاد بالعشائر .