تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٨٠
وزالت السنون والساعات» ؛ لأنّ الأجل هو الوقت الذي يحلّ فيه الدَّيْن أو تبطل فيه الحياة ، وإذا ثبتَ أنّه لا وقت ، ثبت أنه لا أجل ، وكذلك لا سنَة ولا ساعة ؛ لأنها أوقات مخصوصة . ثم عاد عليه السلام إلى ذكر الدنيا ، فقال : «بلا قدرة منها كان ابتداء خلْقها ، وبغير امتناع منها كان فناؤها» ؛ يعني أنّها مسخّرة تحت الأمر الإلهي . «ولو قَدَرت على الامتناع لدام بقاؤها» ؛ لأنها كانت تكون ممانعة للقديم سبحانه في مراده ، وإنّما تمانعه في مراده لو كانت قادرة لذاتها ، ولو كانت قادرة لذاتها وأرادت البقاء لبقيت . قوله عليه السلام : «لم يتكاءده» بالمدّ ، أي لم يشقّ عليه ؛ ويجوز «لم يتكأده» بالتشديد والهمزة ، وأصله من العقبة الكؤود ، وهي الشّاقة . قال : « ولم يؤده» أي لم يثقله . ثم ذكر أنّه تعالى لم يخلق الدنيا ليشدّ بها سلطانه ، ولا لخوفه من زوال أو نقص يلحقه ، ولا ليستعين بها على ندٍّ مماثل له ، أو يحترز بها عن ضدٍّ محارب له ، أو ليزداد بها ملكه ملكاً ، أو لِيُكاثر بها شريكا في شركته له ، أو لأنّه كان قبل خلقها مستوحشا فأراد أن يستأنس بمَنْ خلَق . ثم ذكر أنه تعالى : «سيُفنيها بعد إيجادها» لا لضجرِ لحقه في تدبيرها ، ولا لراحة تصلُه في إعدامها ، ولا لثقل شيء منها عليه حال وجودها ، ولا لملل أصابه فبعثه على إعدامها . ثم عاد عليه السلام ، فقال : إنّه سبحانه سيعيدها إلى الوجود بعد الفناء ، لا لحاجة إليها ولا ليستعين ببعضها على بعض ، ولا لأنّه استوحش حال عدمها فأحبّ أن يستأنس بإعادتها ، ولا لأنّه فقد علْما عند إعدامها فأراد بإعادتها استجداد ذلك العلم ، ولا لأنّه صار فقيرا عند إعدامها فأحبّ أن يتكثّر ويُثرِي بإعادتها ، ولا لذلٍّ أصابه بإفنائها فأراد العزّ بإعادتها . فإن قلت : إذا كان يفنيها لا لكذا ولا لكذا ، وكان من قبْلُ أوجدها لا لكذا ولا لكذا ، ثم قلتم : إنه يعيدها لا لكذا ولا لكذا ، فلأيّ حال أوجدها أوّلاً ؟ ولأيّ حال أفناها ثانياً ؟ ولأيّ حال أعادها ثالثا ؟ خَبِّرُونا عن ذلك ، فإنكم قد حكيتم عنه عليه السلام الحكْم ولم تحكُوا عنه العلّة! قلت : إنما أوجدها أولاً للإحسان إلى البشر ليعرفوه ، فإنّه لو لم يوجدهم لبقي مجهولاً لا يعرف ، ثم كلّف البشر ليعرّضهم للمنزلة الجليلة التي لا يمكن وصولهم إليها إلاّ بالتكليف وهي الثواب ، ثم يفنيهم لأنّه لابدّ من انقطاع التكليف ليخلص الثواب من مشاقّ التكاليف ؛ وإذا كان لابدّ من انقطاعه فلا فرقَ بين انقطاعه بالعدم المطلق ، أو بتفريق الأجزاء ، وانقطاعه بالعدم المطلق قد ورد به الشرع ، وفيه لطف زائد للمكلّفين ؛ لأنّه أردع وأهيَب في صدورهم