تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٥٥
.ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية وَمُخَطِّئٌ فِرَاسَتِي . وَإِنَّكَ إِذْ تُحَاوِلُنِي الْأُمُورَ ، وَتُرَاجِعُنِي السُّطُورَ ، كَالْمُسْتَثْقِلِ النَّائِمِ تَكْذِبُهُ أَحَلاَمُهُ ، وَالْمُتَحَيِّرِ الْقَائِمِ يَبْهَظُه مَقَامُهُ ، لاَ يَدْرِي أَلَهُ مَا يَأَتِي أَمْ عَلَيْهِ ، وَلَسْتَ بِهِ ، غَيْرَ أَنَّهُ بِكَ شَبِيهٌ. وَأُقْسِمُ بِاللّه ِ إنَّهُ لَوْلاَ بَعْضُ الاْسْتِبْقَاءِ ، لَوَصَلَتْ إِلَيْكَ مِنِّي قَوَارِعُ ، تَقْرَعُ الْعَظْمَ ، وَتَنْهَسُ اللَّحْمَ ! وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ ثَبَّطَكَ عَنْ أَنْ تُرَاجِعَ أَحْسَنَ أُمُورِكَ ، وَتأْذَنَ لِمَقَالِ نَصِيحَتِكَ ، وَالسَّلاَمُ لاِهْلِهِ .
الشّرْحُ:
رُوي : «نوازع» جمع نازعة ، أي جاذبة قالعة ، ورُوي : «تهلِس اللحم» و « تلهس» بتقديم اللام ، وتهلِس بكسر اللام : تذيبه حتى يصير كبدن به الهُلاس ، وهو السلّ ؛ وأمّا تلهس فهو بمعنى تلحس ، أبدِلت الحاء هاء ؛ وهو من لحِست كذا بلساني بالكسر ، ألحسه ، أي تأتي على اللحم حتى تلحسه لحسا ؛ لأنّ الشيء إنما يلحس إذا ذهب وبقي أثره ، وأمّا «يَنْهس» وهي الرواية المشهورة ، فمعناه يعترق . وتأذَن بفتح الذال ، أي تسمع . قوله عليه السلام «إني لموهِّن رأيي» بالتشديد ، أي إني لائم نفسي ، ومستضعف رأيي في أن جعلتك نظيرا ، أكتُب وتجيبني ، وتكتب وأجيبك ؛ وإنما كان ينبغي أن يكون جواب مثلك السكوت لهوانِك . فإن قلت : فما معنى قوله : «على التردد»؟ قلت : ليس معناه التوقّف ، بل معناه الترداد والتكرار ؛ أي أنا لائم نفسي على أني أكرر تارة بعد تارة أجوبتك عمّا تكتبه . ثم قال : وإنك في مناظرتي ومقاومتي بالأُمور التي تحاولها ، والكتب التي تكتبها كالنائم يرى أحلاما كاذبة ، أو كمن قام مقاما بين يدي سلطان ، أو بين قوم عقلاء ليعتذر عن أمر ، أو ليخطب بأمر في نفسه ، قد بهظه مقامه ذلك ، أي أثقله فهو لا يدري : هل ينطق بكلام هو له ، أم عليه ، فيتحيّر ويتبلّد ، ويدركه العيُّ والحَصَر ؟! قال : وإن كنتَ لست بذلك الرّجل فإنك شبيه به ؛ أمّا تشبيهه بالنائم ثم ذي الأحلام ، فإن معاوية لو رأى في المنام في حياة رسولِ اللّه صلى الله عليه و آله وسلم أنه خليفةٌ يخاطب بإمرة المؤمنين ،