تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢١٠
. الْمَوْتِ ، وَقَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ ، وَبَصِّرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا ، وَحَذِّرْهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ وَفُحْشَ تَقَلُّبِ الَّليَالِي وَالْأَيَّامِ ؛ وَاعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ ، وَذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الْأَوَّلِينَ . وَسِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَآثَارِهِمْ ، فَانْظُرْ فِيَما فَعَلُوا وَعَمَّا انْتَقَلُوا ، وَأَيْنَ حَلُّوا وَنَزَلُوا ! فَإِنَّكَ تَجِدُهُمْ قَدِ انْتَقَلوُا عَنِ الْأَحِبَّةِ ، وَحَلُّوا دارَ الْغُرْبَةِ ؛ وَكَأَنَّكَ عَنْ قَلِيلٍ قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ . فَأَصْلِحْ مَثْوَاكَ ، وَلاَ تَبِـعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ ؛ وَدَعِ الْقَوْلَ فِيَما لاَ تَعْرِفُ ، وَالْخِطَابَ فِيَما لَمْ تُكَلَّفْ ؛ وَأَمْسِكْ عَنْ طَرِيقٍ إِذَا خِفْتَ ضَلاَلَتَهُ ، فَإِنَّ الْكَفَّ عِنْدَ حَيْرَةِ الضَّلاَلِ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الْأَهْوَالِ [١] .
الشّرْحُ:
قوله عليه السلام : «وأيّ سبب أوثق» ؛ إشارة إلى القرآن لأنّه هو المعبّر عنه بقوله تعالى : «وَاعتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّه ِ جَمِيعا وَلاَ تَفَرَّقُوا» [٢] . ثم أتى بلفظتين متقابلتين ، وذلك من لطيف الصنعة ؛ فقال : «أحيِ قلبك بالموعظة ، وأمته بالزَّهادة» ؛ والمراد إحياء دواعيه إلى الطاعة وإماتة الشهوات عنه . قوله عليه السلام : «وأعرض عليه أخبار الماضين» معنى قد تداوله الناس ، قال الشاعر : سل عن الماضين إن نطقت عنهم الأجداث والتُّركُ أيّ دار للبلى نزلوا وسبيل للردى سَلَكُوا قوله عليه السلام : «ودع القول فيما لا تعرف» من قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : «خذ ما تعرف ، ودع ما لا تعرف ، وعليك بخُوَيْصة نفسك» . قوله : «والخطاب فيما لم تكلّف» من قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : «مِنْ حُسْن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» . قوله عليه السلام : «وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته» ، مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه و آله وسلم : « دع ما يَريبك إلى ما لا يريبك» ، وفي خبر آخر : «إذا رابك أمْرٌ فدعْه» .
[١] اعتصم : اعتصم بالشيء أمسكه بيده ، فجائع : رزايا جمع رزية وهي المصيبة صولة الدهر : سطوته . فحش : القبيح من القول .[٢] سورة آل عمران ١٠٣ .