تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٤١
٣٢
الأصْلُ:
.ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية وأرْدَيْتَ جِيلاً مِنَ النَّاس كَثِيراً ؛ خَدَعْتَهُمْ بِغَيِّكَ ، وَأَلْقَيْتَهُمْ فِي مَوْجِ بَحْرِكَ ، تَغْشَاهُمُ الظُّلُمَاتُ ، وَتَتَـلاَطَمُ بِهِمُ الشُّبُّهَاتُ ، فَجَارُوا عَنْ وِجْهَتِهِمْ ، وَنَكَصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، وَتَوَلَّوْا عَلَى أَدبـَارِهِمْ ، وَعَوَّلُوا عَلَى أَحْسَابِهِمْ ، إِلاَّ مَنْ فَاءَ مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ ، فَإِنَّهُمْ فَارَقُوكَ بَعْدَ مَعْرِفَتِكَ ، وَهَرَبُوا إِلَى اللّه ِ مِنْ مُوَازَرَتِكَ ، إِذْ حَمَلْتَهُمْ عَلَى الصَّعْبِ ، وَعَدَلْتَ بِهِمْ عَنِ الْقَصْدِ . فَاتَّقِ اللّه َ يَا مُعَاوِيَةُ فِي نَفْسِكَ ، وَجَاذِبِ الشَّيْطَانَ قيَادَكَ . فَإِنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ عَنْكَ ، وَالآخِرَةَ قَرِيبَةٌ مِنْكَ ، وَالسَّلاَمُ .
الشّرْحُ:
أرديتَهم : أهلكتهم . وجيلاً من الناس ، أي صنفا من الناس . والغيّ : الضلال . وجاروا : عدلوا عن القصد . ووِجهتهم ، بكسر الواو ، يقال : هذا وجه الرأي ، أي هو الرأي بنفسه ، والاسم الوِجْه بالكسر ويجوز بالضم . قوله : «وعوّلوا عَلَى أحسابهم» ، أي لم يعتمدوا على الدّين ؛ وإنما أردتهم الحميّة ونخوة الجاهلية فأخلدوا إليها وتركوا الدين ، والإشارة إلى بني أُميّة وخلفائهم الَّذين اتّهموه عليه السلام بدم عثمان ، فحاموا عن الحسب ، ولم يأخذوا بموجب الشرع في تلك الواقعة . ثم استثنى قوما فاؤوا أي رجعوا عن نُصرة معاوية ؛ وقد ذكرنا في أخبار صِفّين مَنْ فارق معاوية ورجع إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، أو فارقه واعتزل الطائفتين . قوله : «حملتهم على الصعب» أي على الأمر الشاقّ ؛ والأصل في ذلك البعير المستصعَب يركبه الإنسان فيغرّر بنفسه .