تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٨
الآجال الّتي ضُرِبَتْ للمكلّفين ليقوموا فيها بالواجبات ، ويتسابقوا فيها إلى الخيرات ، بالمضْمار الممدود لخيل تتنازع فيه السبق . ثم قال : «فشدّوا عُقَد المآزر» ، أي شمّروا عن ساق الاجتهاد ، ويقال لمن يوصَى بالجدّ والتشمير : اشدد عُقْدة إزارك ؛ لأنّه إذا شدّها كان أبعَد عن العثار ، وأسرع للمشي . « واطووا فُضُول الخواصر» ، نهى عن كثرة الأكل ؛ لأنّ الكثير الأكل لا يطوي فضول خواصره لامتلائها ، والقليل الأكل يأكل في بعضها ويطوي بعضها . ثم أتى عليه السلام بثلاثة أمثال مخترعة له لم يسبق بها ، وإن كان قد سبق بمعناها ، وهي قوله : «لا تجتمع عزيمة ووليمة » . وقوله : «ما أنقض النوم لعزائم اليوم» ! وقوله : «وأمْحَى الظلم لتذاكير الهمم»! فمما جاء من ذلك ، قول رجل لولده : ما للمطيعِ هواهُ من الملامِ ملاذُ فاختر لنفسك هَذَا مَجْدٌ ، وهذا التِذَاذُ ومثل قوله : «ما أنقَضَ النّوم لعزائم اليوم» قولُ الشاعر : فَتىً لا ينامُ على عزمِه ومَن صَمَّمَ العزم لم يرقدِ وقوله : «وأمحى الظّلم لتذاكير الهمم» ، أي الظُّلَم التي ينام فيها ، لا كلّ الظلم ، ألا ترى أنه إذا لم ينم في الظلمة بل كان عنده من شدّة العزم وقوة التصميم ما لا ينام معه ، فإنّ الظلمة لا تمحو تذاكير هممه . والتذاكير : جمع تَذْكار . والمثلان الأوّلان أحسن من الثالث ، وكأن الثالث من تتمة الثاني . وقد قالت العرب في الجاهلية هذا المعنى ، وجاء في القرآن العزيز : «أَمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ والضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّه ِ أَلاَ إنَّ نَصْرَ اللّه ِ قَرِيبٌ» [١] . وهذا مثل قوله : «لا تجتمع عزيمة ووليمة» ، أي لا يجتمع لكم دخول الجنة والدّعة ، والقعود عن مشقّة الحرب .
[١] سورة البقرة ٢١٤ .