تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٢٣
تقول : هذا أعْوَدُ عليك ، أي أنفع لك . وروي : «والتقت الملة » بالقاف ، أي اجتمعت بهم ، من اللقاء . والرواية الأُولى أصحّ . وأصبحوا في نعمتها غرِقين ، مبالغة في وصف ما هم فيه من النعمة . وفاكهين : ناعمين . وروي «فكهين» أي أشِرين وقد قرئ بهما في قوله تعالى: «وَنَعْمَةٍ كانوا فِيهَا فَاكِهِينَ» [١] ، وقال الأصمعيّ : فاكهين : مازحين ، والمفاكهة : الممازحة ، ومن أمثالهم : «لا تفاكِهْ أمَة ، ولا تَبُلْ عَلَى أكمة» ؛ فأما قوله تعالى : «فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُون» [٢] ، فقيل : تندمون ، وقيل : تعجبون . و «عن» في قوله : «وعن خضرة عيشها» ، متعلّقة بمحذوف ، تقديره : فأصبَحوا فاكهين فكاهة صادرة عن خضرة عيشها ، أي خضرة عيش النعمة سبب لصدور الفكاهة والمُزاح عنه . وتربّعت الأُمور بهم ، أي أقامت ، من قولك . رَبَع بالمكان ، أي أقام به . وآوتهم الحال ؛ بالمدّ أي ضمتهم وأنزلتهم ، قال تعالى : «آوَى إليه أخَاهُ» [٣] ، أي ضمّه إليه وأنزله ، ويجوز «أوتهم» بغير مدّ . أفعلت في هذا المعنى وفعلت واحد ؛ عن أبي زيد . والكنَف : الجانب . وتعطّفت الأُمور عليهم : كناية عن السيادة والإقبال ، يقال : قد تعطّف الدّهر على فلان ، أي أقبل حظُّه وسعادته ، بعد أنْ لم يكن كذلك . وفي ذُرَى مُلْكٍ : بضم الذال أي في أعاليه ، جمع ذروة ، ويكنى عن العزيز الذي لا يُضام ، فيقال : لا يغمز له قناة ، أي هو صلب . والقناة إذا لم تلِن في يد الغامز كانتْ أبعدَ عن الحطم والكَسْر . ولا تُقْرع لهم صفاة ؛ مثَل يضرب لمن لا يطمع في جانبه لعزّته وقوّته .
الأصْلُ:
.أَلاَ وَإِنَّكُمْ قَدْ نَفَضْتُمْ أَيْدِيَكُمْ مِنْ حَبْلِ الطَّاعَةِ ، وَثَلَمْتُمْ حِصْنَ اللّهِ الْمَضْرُوبَ عَلَيْكُمْ ، بَأَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَإِنَّ اللّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ امْتَنَّ عَلَى جَمَاعَةِ هذِهِ الْأُمَّةِ ؛ فِيَما عَقَدَ بَيْنَهُمْ مِنْ حَبْلِ هذِهِ الْأُلْفَةِ الَّتِي يَنْقَلبُونَ فِي ظِلِّهَا ، وَيَأْوُونَ إِلَى كَنَفِهَا ، بِنِعْمَةٍ لاَ يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ لَهَا قِيمَةً ، لِأَنَّهَا أَرْجَحُ مِنْ كُلِّ ثَمَنٍ ، وَأَجَلُّ مِنْ كُلِّ خَطَرٍ .
[١] سورة الدخان ٢٧.[٢] سورة الواقعة ٦٥ .[٣] سورة يوسف ٦٩ .