تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤١٨
٧٦
الأصْلُ:
.ومن كلام له عليه السلام للسائل الشامي لما سأله : وَيْحَكَ! لَعَلَّكَ ظَنَنْتَ قَضَاءً لاَزِماً ، وَقَدَراً حَاتِماً ! وَلَوْ كَانَ ذلِكَ كَذلِكَ لَبَطَلَ الثَّوابُ والْعِقَابُ ، وَسَقَطَ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ ؛ إِنَّ اللّه َ سُبْحَانَهُ أَمَرَ عِبَادَهُ تَخْيِيراً ، وَنَهَاهُمْ تَحْذِيراً ، وَكَلَّفَ يَسِيراً ، وَلَمْ يُكَلِّفْ عَسِيراً ، وَأَعْطَى عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيراً ، وَلَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً ، وَلَمْ يُطَعْ مُكْرَهاً ، وَلَمْ يُرْسِلِ الْأَنْبِيَاءَ لَعِباً ، وَلَمْ يُنْزِلِ الكُتُبِ لِلْعِبَادِ عَبَثاً ، وَلاَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ؛ «ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ» .
الشّرْحُ:
قد ذكر شيخُنا أبو الحسين رحمه الله هذا الخبرَ في كتاب ( الغُرَر ) ورواه عن الأصبغ بنِ نُباتة ، قال : قام شيخٌ إلى عليّ عليه السلام فقال : أخبرْنا عن مَسيرنا إلى الشام ، أكانَ بقضاء اللّه وقدَرِه ؟ فقال : والّذي فَلَق الحبّة ، وبَرَأ النّسمَة ، ما وَطِئْنا مَوْطِئا ، ولا هَبطنا واديا إلاّ بقضاء اللّه وقَدَرِه . فقال الشيخ ! فعندَ اللّه أحتَسِب عَنائي ! ما أرَى لي من الأجْر شيئا ! فقال : مَهْ أيّها الشيخ ، لقد عَظّم اللّه ُ أجرَكم في مَسيرِكم وأنتم سائرون ، وفي مُنصرَفكم وأنتم منصرِفون ، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرَهين ، ولا إليها مضطَرِّين . فقال الشيخ : وكيف القضاءُ والقَدَر ساقَانَا ؟ فقال : وَيْحَك ! لعلّك ظننتَ قَضاءً لازما ، وقَدَرا حَتْما ! لو كان ذلك كذلك لبَطَل الثواب والعِقاب ، والوَعْد والوَعِيد ، والأمرُ والنّهي ، ولم تأتِ لائمةٌ مِن اللّه لمُذنِب ، ولا مَحمَدة لُمحسِن ، ولم يكن الُمحسِن أولَى بالمدح من المسيء ، ولا المسيءُ أولَى بالذمّ من الُمحسِن ؛ تلك مقالةُ عُبّاد الأوثان ، وجنودِ الشّيطان ، وشهودِ الزور ، وأهلِ العَمَى عن الصواب ، وهم قَدَرِيّةُ هذه الأُمّة ومجوسُها ؛ إنّ اللّه سبحانه أمَر تخييرا ، ونَهَى تحذيرا ، وكَلَّف يسيرا ، ولم