تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٨٠
كان يقوم الليل كلّه ، ومنهم من كان يصوم الدهر كلَّه ، ومنهم المرابط في الثّغور ، ومنهم المجاهد مع سقوط الجهاد عنه لقيام غيره به ، ومنهم تاركُ النّكاح ، ومنهم تاركُ المطاعم والملابس ؛ وكانوا يتفاخرون بذلك ، ويتنافسون فيه ، فأراد عليه السلام أن يبيِّن لأهله وشيعته وقتَ الوصيَّة أنّ المهمّ الأعظم هو التّوحيد ، والقيام بما يُعلم من دين محمّد صلى الله عليه و آله وسلم أنه واجب ، ولا عليكم بالإخلال بما عدا ذلك ، فليت من المئة واحدا نَهَض بذلك ، والمراد ترغيبهم بتخفيف وظائف التكاليف عنهم ، فإن اللّه تعالى يقول : «يُرِيدُ اللّه ُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ» [١] . وقال صلى الله عليه و آله وسلم : «بُعثتُ بالحنيفيّة السّهلة السَّمْحة» . قولُه : وخَلاكم ذمّ ، لفظةٌ تقال على سبيل المثَل ، أي قد أعذَرتم ، وسَقَط عنكم الذمّ . ثم قسم أيامه الثلاثة أقساما فقال : أنا بالأمس صاحبُكم أي كنت أُرجَى وأُخاف ، وأنا اليوم عِبرةٌٍ لكم ، أي عِظة تعتبرون بها . وأنا غداً مفارقكم ، أكون في دار أُخرى غير داركم . ثم ذكر أنه إن بقي ولم يمتْ من هذه بالضربة فهو وليّ دمِه ، إن شاء عَفا ، وإنْ شاء اقتصّ ، وإن لم يَبْق فالفناء الموعد الَّذي لابدّ منه . ثم عاد فقال : وإن أعْفُ ، والتقسيم ليس على قاعدة تقسيم المتكلِّمين . والمعنى منه مفهوم ، وهو إمّا أن أسلم من هذه الضربة أو لا أسلم ، فإن سلمت منها فأنا وليّ دَمي ؛ إن شئتُ عفوتُ فلم أقتصّ ، وإن شئتُ اقتصصتُ ، ولا يعني بالقصاص هاهنا القتل ، بل ضربةً بضربة ، فإن سَرَتْ إلى النفس كانت السراية مُهدَرة كقَطْع اليد . ثم أومأَ إلى أنه إن سلم عفا ، بقوله : إن العفو لي إن عفوْت قرْبة . ثم عُدْنا إلى القسم الثاني من القسمين الأوَّليْن ، وهو أنه عليه السلام لا يَسلَم من هذه ؛ فولاية الدم إلى الورثة إن شاؤوا اقتَصُّوا وإن شاؤوا عَفَوْا . ثم أومأ إلى أنَّ العفوَ منهم أحسن ، بقوله : «وهو لكم حسنة» ، بل أمَرَهم أمرا صريحا بالعفو ، فقال : فاعفوا ، «أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللّه ُ لَكُمْ» . وهذا لفظ الكتاب العزيز ، وينبغي أن يكون أمْرُه بالعفو في هذا الكلام محمولاً على النّدب . ثم أقسَم عليه السلام أنّه ما فجأه من الموت أمْرٌ أنكَرَه ولا كَرهه ، فجأني الشيء : أتاني بغتةً . ثم قال : «ما كنتُ إلاّ كقارِب وَرَد» ، والقارب : الّذي يسير إلى الماء وقد بقي بينه وبينَه ليلة واحدة ، والاسم : القَرَب ، فهم قارِبون ، ولا يقال : «مقرِبون» ، وهو حرف شاذٌّ .
[١] سورة البقرة ١٨٥ .