تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٢
وهذه الخطبة من محاسن خطبه عليه السلام ، وفيها من صناعة البديع ما هو ظاهر للمتأمّل .
الأصْلُ:
.منها في صفة الزهاد: كَانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا ، فَكَانُوا فِيهَا كَمَنْ لَيْسَ مِنْهَا ، عَمِلُوا فِيهَا بِمَا يُبْصِرُونَ ، وَبَادَرُوا فِيهَا مَا يَحْذَرُونَ ، تَقَلَّبُ أَبْدَانُهُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِ الآخِرَةِ ، وَيَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُعَظِّمُونَ مَوْتَ أَجْسَادِهِمْ ، وَهُمْ أَشَدُّ إِعْظَاماً لِمَوْتِ قُلُوبِ أَحْيَائِهِمْ .
الشّرْحُ:
بين ظهرانَيْ أهل الآخرة ، بفتح النون ، ولا يجوز كسرها ، ويجوز «بين ظهرَيْ أهل الآخرة» ، لو رُوي ، والمعنى في وسطهم . قوله عليه السلام : «كانوا قوماً من أهل الدنيا وليسوا من أهلها» ، أي همْ من أهلها في ظاهر الأمر وفي مرأى العيْن وليسوا من أهلها ؛ لأنّه لا رغبة عندهم في ملاذّها ونعيمها ، فكأنّهم خارجون عنها . قوله : «عملوا فيها بما يبصرون» ، أي بما يروْنه أصلح لهم ، ويجوز أن يريد أنّهم لشدّة اجتهادهم قد أبصروا المآل ، فعملوا فيها على حسب ما يشاهدونه من دار الجزَاء ، وهذا كقوله عليه السلام : «لو كُشِف الغطاء ما ازددت يقيناً» . «وبادروا فيها ما يحذرون» ، أي سابقوه ، يعني الموت . قوله عليه السلام : «تُقلّب أبدانهم» ، هذا محمول تارة على الحقيقة ، وتارة على المجاز ، أمّا الأول فلأنّهم لا يخالطون إلاّ أهلَ الدين ولا يجالسون أهل الدنيا ، وأمّا الثاني فلأنّهم لما استحقُّوا الثواب كان الاستحقاق بمنزلة وصولهم إليه ، فأبدانُهم تتقلّب بين ظهرانيْ أهل الآخرة ، أي بين ظهرانَيْ قوم هم بمنزلة أهل الآخرة ؛ لأنّ المستحقّ للشيء نظيرٌ لمن فعل به ذلك الشيء . ثم قال : هؤلاء الزّهّاد يرون أهل الدنيا إنما يستعظمون موت الأبدان ، وهم أشدُّ استعظاماً لموت القلوب .