تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٨٣
ذا عيال ، لا يلزمه أن يبحث عن المال أحرام هو أم حلال ؟ ! فإذا أخذه ليسدّ به خلّته ، ويصرفه في قوت عياله ، كان أعظم أجرا ممن أعطاه . قوله عليه السلام : «ذاك حيث تَسْكَرُونَ من غير شراب ، بل من النَّعمة» ، بفتح النون ، وهي غَضارة العيش . «وتحلفون من غير اضطرار» ، أي تتهاونون باليمين وبذكر اللّه عزّ وجلّ . «وتكذبون من غير إحراج» ، أي يصير الكذب لكم عادة ودُرْبة ، لا تفعلونه لأنّ آخر منكم قد أحرجكم واضطركم بالغيظ إلى الحلف . وروي من غير «إحواج» بالواو ، أي من غير أن يُحوجكم إليه أحد . قال : ذلك إذا عَضّكم البلاء كما يعضّ القَتَبُ غاربَ البعير . هذا الكلام غير متصل بما قبله ، وهذه عادة الرضيّ رحمه الله يلتقط الكلام التقاطاً ، ولا يتلو بعضه بعضا ، وقد ذكرنا هذه الخطبة أو أكثرها فيما تقدّم من الأجزاء الأُول ، وقبل هذا الكلام ذكر ما ينالُه شيعتُه من البؤس والقنُوط ومشقّة انتظار الفرج [١] . قوله عليه السلام : «ما أطوَلَ هذا العناء ، وأبعد هذا الرجاء» ! هذا حكاية كلام شيعتِه وأصحابه . ثم قال مخاطبا أصحابه الموجودين حوله : أيّها الناس ، ألقُوا هذه الأزمّة التي تَحمل ظهورُها الأثقَال [من] أيديكم . هذه كناية عن النَّهْي عن ارتكاب القبيح وما يوجب الإثم والعقاب . والظُّهور هاهنا : هي الإبل أنفسها . والأثقال : المآثم . وإلقاء الأزمّة : ترك اعتماد القبيح ، فهذا عمومه ، وأمّا خصوصه فتعريضٌ بما كان عليه أصحابه من الغدْر ومخامرة العدوّ عليه ، وإضمار الغِلّ والغشّ له ، وعصيانه والتلوّي عليه ، وقد فسّره بما بعده فقال : «ولا تصدّعوا عن سلطانكم» أي لا تفرّقوا ، «فتذمّوا غِبّ فعالكم» ، أي عاقبته . ثم نهاهم عن اقتحام ما استقبلوه من فَوْر نارِ الفتنة ، وفَوْر النار : غلَيانها واحتدامُها ، ويروى : «ما استقبَلكم» . ثم قال : «وأمِيطوا عن سَنَنها» أي تنحَّوْا عن طريقها ، وخلّوا قصْد السبيل لها ، أي دعوها تسلك طريقها ولا تقفوا لها فيه فتكونوا حطبا لنارها . ثم ذكر أنّه قد يهلك المؤمن في لَهبها ، ويسلَم فيه الكافر ، كما قيل : المؤمن ملقّىً والكافر موقّىً . ثم ذكر أن مثله فيهم كالسُّرُج
[١] ما قاله الشارح في معنى العدة ، أنّهم الأبدال ، إنّما هو من تخرصات المتصوفة وخرافاتهم ومما لا دليل عليه ، من آية أو رواية ؛ بل في رواية عن الإمام الرضا عليه السلام : الأبدال هم الأئمة عليهم السلام ؛ لأنهم بدل الأنبياء عليهم السلام . الاحتجاج للطبرسي : ص٤٣٧ . والإمامية لم تقل إنّ المراد من هذه العدة الأئمة عليهم السلام . بل ، كلامه عليه السلام محتمل لهم ولأصحاب القائم عليه السلام . بل ، هو الظاهر ؛ لأنّ الخطبة في ذكر الملاحم ، وما يصيب الناس من شدائد ومحن ، وهذا واضح بخاصة عند الرجوع إلى رواية المدائني التي ذكرها ابن أبي الحديد في شرح الخطبة ٧٠ ، ج٦:١٣٤ : «فيا ابن خيرة الإماء متى تنتظر ! ابْشر بنصر قريب من ربٍّ رحيم ...» نجد أنّه يخبر عن خروج أصحابه دفعة واحدة بقوله عليه السلام : «قد دنا حينئذٍ ظهورهم ...» ، والأئمة عليهم السلام إنّما كان ظهورهم تدريجيا ، وفيها إخبار عن حوادث تقع قبل الظهور «دنا خسوف البيداء» ، وخسف البيداء من علامات قيام القائم . ثمّ أن الأئمة عليهم السلام لم تكن اسماؤهم في الأرض مجهولة ؛ لأنهم حجج اللّه سبحانه ، وأوصياء الرسول صلى الله عليه و آله وسلم ، ومفترضو الطاعة كالنبي صلى الله عليه و آله وسلم ، بخاصة الإمامين الحسنيين عليهماالسلام . وإنما أسماء أصحاب القائم عليه السلام اسماؤهم مجهولة في الأرض معروفة في السماء .[٢] انظر : الخطبة (١٠١ ،١٠٧ ، ١٥٠ ، ١٥١) .