تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٩٠
.ومن عهد له عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر رضى ال الَّلحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ ، حَتَّى لاَ يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ لَهُمْ ، وَلاَ يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّ اللّه َ تَعَالَى يُسَائِلُكُمْ مَعْشَرَ عِبَادِهِ عَنِ الصَّغِيرَةِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ وَالْكَبِيرَةِ ، وَالظَّاهِرَةِ وَالْمَسْتُورَةِ ، فَإِنْ يُعَذِّبْ فَأَنْتُمْ أَظْلَمُ ، وَإِنْ يَعْفُ فَهُوَ أَكْرَمُ . وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللّه ِ أَنَّ الْمُتَّقِينَ ذَهَبُوا بِعَاجِلِ الدُّنْيَا وَآجِلِ الاْخِرَةِ ، فَشَارَكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ ، وَلَمْ يُشَارِكْهُمْ أَهْلَ الدُّنْيَا فِي آخِرَتِهِمْ ؛ سَكَنُوا الدُّنْيَا بَأَفْضَلِ مَا سُكِنَتْ ، وَأَكَلُوهَا بِأَفْضَلِ مَا أُكِلَتْ ، فَحَظُوا مِنَ الدُّنْيَا بِمَا حَظِيَ بِهِ الْمُتْرَفُونَ ، وَأَخَذُوا مِنْهَا مَا أَخَذَهُ الْجَبَابِرَةُ الْمُتَكَبِّرُونَ ؛ ثُمَّ انْقَلَبُوا عَنْهَا بِالزَّادِ الْمُبَلِّغِ ؛ وَالْمَتْجَرِ الرَّابِحِ ؛ أَصَابُوا لَذَّةَ زُهْدِ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ ، وَتَيَقَّنُوا أَنَّهُمْ جِيرَانُ اللّه ِ غَداً فِي آخِرَتِهِمْ ؛ لاَ تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ ، وَلاَ يَنْقُصُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ لَذَّةٍ . فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللّه ِ الْمَوْتَ وَقُرْبَهُ ، وَأَعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ ، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِأَمْرٍ عَظِيمٍ ، وَخَطْبٍ جَلِيلٍ ؛ بِخَيْرٍ لاَ يَكُونُ مَعَهُ شَرٌّ أَبَداً ، أَوْ شَرٍّ لاَ يَكُونُ مَعَهُ خَيْرٌ أَبَداً . فَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى الْجَنَّةِ مِنْ عَامِلِهَا ! وَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى النَّارِ مِنْ عَامِلِهَا ! وَأَنْتُمْ طُرَدَاءُ الْمَوْتِ ؛ إِنْ أَقَمْتُمْ لَهُ أَخَذَكُمْ ، وَإِنْ فَرَرْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ ، وَهُوَ أَلْزَمُ لَكُمْ مِنْ ظِلِّكُمْ . الْمَوْتُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيكُمْ ؛ وَالدُّنْيَا تُطْوَى مِنْ خَلْفِكُمْ . فَاحْذَرُوا نَاراً قَعْرُهَا بَعِيدٌ ، وَحَرُّهَا شَدِيدٌ ، وَعَذَابُهَا جَدِيدٌ ؛ دَارٌ لَيْسَ فِيها رَحْمَةٌ ، وَلاَ تُسْمَعُ فِيهَا دَعْوَةٌ ، وَلاَ تُفَرَّجُ فِيهَا كُرْبَةٌ . وَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ يَشْتَدَّ خَوْفُكُمْ مِنَ اللّه ِ ، وَأَنْ يَحْسُنَ ظَنُّكُمْ بِهِ ، فَاجْمَعُوا بيْنَهُمَا ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ إِنَّمَا يَكُونُ حُسْنُ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ عَلَى قَدْرِ خَوْفِهِ مِنْ رَبِّهِ ، وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاس ظَنّاً بِاللّه ِ أَشَدُّهُمْ خَوْفاً للّه ِ . وَاعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ، أنـِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ أَعْظَمَ أَجْنَادِي فِي نَفْسِي أَهْلَ مِصْرَ ، فَأَنْتَ مَحْقُوقٌ أَنْ تُخَالِفَ عَلَى نَفْسِكَ ، وَأَنْ تُنَافِحَ عَنْ دِينِكَ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلاَّ سَاعَةٌ مِنَ الدَّهْرِ ، وَلاَ تُسْخِطِ اللّه َ بِرِضَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ ؛ فَإِنَّ فِي اللّه ِ خَلَفاً مِنْ غَيْرِهِ ، وَلَيْسَ مِنَ اللّه ِ خَلَفٌ فِي غَيْرِهِ .