تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤١٧
الكلام لعظَمَتِه ، يحبّ المساكين ، ويقرِّب أهلَ الدّين ، وأشهَد لقد رأيتُه في بعض مَواقِفه ... وتَمامُ الكلامِ مذكورٌ في الكتاب . وذَكَر أبو عمرَ بنُ عبد البرّ في كتاب ( الاستيعاب ) [١] هذا الخبرَ ، فقال : حدّثنا عبدُ اللّه ابنُ محمّد ابنِ يوسفَ ، قال : حدّثنا يحيى بنُ مالك بنِ عائد ، قال : حدّثنا أبو الحسن محمّد بنُ محمّدِ بنِ مُقْلة البَغْداديّ بمصرَ . وحدّثنا أبو بكر محمّد بن الحسن بنِ دُرَيد ، قال : حدّثنا العُكْليّ ، عن الحِرْمازِيّ ، عن رجل من هَمْدان ، قال : قال معاويةُ لضِرارالضبّابيّ : يا ضرار صِفْ لي عَلِيّا ، قال : اعفِني يا أميرَ المؤمنين ؛ قال : لتَصِفَنّه ؛ قال : أمّا إذ لابدّ من وَصْفِه ، فكان واللّه ِ بعيدَ المَدَى ، شديدَ القُوَى ، يقول فَصْلاً ، ويَحكُم عَدْلاً ، يتفجّر العِلم من جَوانبِه ، وتَنطِق الحكمة من نَواحيه ، يَستوحِش من الدنيا وزَهرتِها ، ويَأنَس باللّيل ووَحْشَتِه ، [ وكان ] غزيرَ العَبْرة ، طويلَ الفكْرة ، يُعجِبه من اللّباس ما قَصُر ، ومن الطعام ما خَشُن . كان فينا كأحدِنا ، يجيبُنا إذا سألناه ، ويُنبئنا إذا استَفْتَيْناه ؛ ونحن واللّه ِ مع تقريبه إيّانا ، وقربِه منّا ، لا نكاد نكلّمه هيبةً له . يعظِّم أهلَ الدّين ، ويقرِّب المساكينَ . لا يَطمَع القويُّ في باطله ، ولا ييئس الضعيفُ من عَدلِه ؛ وأشهَد لقد رأيتُه في بعض مَواقِفه وقد أرخَى الليلُ سُدوله ، وغارَت نجومُه ، قابضا على لِحيته ، يَتَمَلْمَل تَملْمُل السَّلِيم [٢] ، ويَبكِي بكاءَ الحزين ، ويقول : يا دُنْيا غُرِّي غَيْري ، أبي تعرّضتِ ! أم إليّ تشوّقْتِ ! هيهاتَ هيهاتَ ! قد باينتُكِ ثلاثا لا رجعةَ لي فيها ، فعُمركِ قصير ، وخطرُكِ حقير ! آهِ منْ قِلّة الزاد ، وبُعد السّفر ، ووَحشةِ الطريق ! فبكى معاويةُ وقال : رَحِم اللّه ُ أبا حسن ، كان واللّه كذلك ؛ فكيف حُزْنُك عليه يا ضِرار؟ قال : حزنُ مَن ذُبِح ولدُها في حِجْرها [٣] .
[١] الاستيعاب ١١٠٧ و ١١٠٨ ، وهو أيضاً في أمالي الفالي ٢:١٤٧ .[٢] السليم : اللديغ .[٣] تأمّل حال معاوية هذا الطليق ، مع علمه بفضل أمير المؤمنين عليه السلام ، واعترافه بعظمته وسابقته وتقواه ؛ يسنّ سبّه من على كل شاهقة ؛ تمرّدا على اللّه ، وعداوة لرسوله ، وبغضا للحق . ومع هذا يأتي علماء السوء فيعذرونه ويقولون إنّه : مجتهد مصيب لا إثم عليه ولا حرج . كذلك «ويُضِلُّ اللّه ُ الظّالِمِينَ» سورة إبراهيم ٢٧ .