تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٠٢
على الاطلاع على الأسرار والمكايد والحِيَل والتدبيرات ، ومن لا يُبِطره الإكرام والتقريب ، فيطمعَ فيجترئ على مخالفته في مَلاَءٍ من الناس والردّ عليه ، ففي ذلك من الوَهَن للأمير وسوء الأدب الذي انكشف الكاتب عنه ما لا خفاءَ به . ثم قال عليه السلام : وليكن كاتبُك غيرَ مقصّر عن عرض مكتوبات عمّالك عليك ، والإجابة عنها حسن الوَكالة والنيابةِ عنك فيما يحتجّ به لك عليهم مِن مكتوباتهم ، وما يُصدِره عنك إليهم من الأجوبة ، فإن عَقَد لك عقداً قوّاه وأحكَمه ، وإن عَقد عليك عقداً اجتهد في نقضِه وحَلّه . قال : وأن يكون عارفاً بنفسه ، فمن لم يعرف قدرَ نفسِهِ لم يَعرِف قدرَ غيرِه . ثمّ نهاه أن يكون مستَند اختيارِه لهؤلاء فِراستُه فيهم ، وغلبةُ ظنّه بأحوالهم ، فإن التّدليس ينمّ في ذلك كثيرا ، وما زال الكتّاب يتصنّعون للأُمراء بحُسن الظاهر ، وليس وراء ذلك كثير طائل في النصيحة والمعرفة ، ولكن ينبغي أن يرجع في ذلك إلى ما حكمتْ به التجربةُ لهم ، وما وُلّوه من قبل ، فإن كانت ولايتُهم وكتابتُهم حسنةً مشكورةً فهم هم ، وإلاّ فلا ، ويتعرّفون لفراسات الوُلاة ، يجعلون أنفسهم بحيث يعرف بضُروب من التصنّع ، وروي «يتعرّضون» . ثم أمَرَه أن يقسم فنونَ الكتابة وضروبَها بينهم ، نحو أن يكون أحدهم للرسائل إلى الأطراف والأعداء ، والآخر لأجوبة عمّال السواد ، والآخر بحضرة الأمير في خاصّته وداره ، وحاشيته وثقاته . ثم ذكر له أنّه مأخوذ مع اللّه تعالى بما يتغابَى عنه ، ويتغافل من عيوب كتّابه ، فإن الدّين لا يبيح الإغضاءَ والغفلةَ عن الأعوان والخَوَل ، ويوجب التطلّع عليهم . واعلم أنّ الكاتب الذي يشير أمير المؤمنين عليه السلام إليه هو الذي يسمى الآن في الاصطلاح العُرْفي وزيرا ؛ لأنّه صاحب تدبير حضرة الأمير ، والنائب عنه في أُموره ، وإليه تصل مكتوباتُ العمّال وعنه تصدر الأجوبة ، وإليه العَرْض على الأمير ، وهو المستدرِك على العمّال ، والمهيمِن عليهم ، وهو على الحقيقة كاتبُ الكتّاب ، ولهذا يسمّونه : الكاتب المطلَق .
الأصْلُ:
.ثُمَّ اسْتَوْص بِالتُّجَّارِ وَذَوِي الصِّنَاعَاتِ ، وَأَوْصِ بِهِمْ خَيْراً ، الْمُقِيمِ مِنْهُمْ وَالْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ ، وَالْمُتَرَفِّقِ بِبَدَنِهِ ؛ فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ ، وَأَسْبَابُ الْمَرَافِقِ ، وَجُلاَّبُهَا مِنَ الْمَباعِدِ وَالْمَطَارِحِ ، فِي بَرِّكَ وَبَحْرِكَ ، وَسَهْلِكَ وَجَبَلِكَ ، وَحَيْثُ