تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٤٠
والدّعاوَى والشّبُهات الّتي تضمّنها كتابُك من القوّة ما يقتضِي أن يكون المتمسّك به مُسلِما ، لأنّه كلامٌ لا يَقولُه إلاّ مَنْ هو ؛ إمّا كافرٌ مُنافق أو فاسق ، والكافر ليس بمسلِم ، والفاسق أيضا ليس بمُسلِم ـ على قول أصحابِنا ـ ولا كافر . ثم قال : «وأساطير لم يَحْكها منكَ عِلْم ولا حِلْم» ، الأساطير : الأباطيل ، واحدها أُسطورَة بالضم وإسْطارَة بالكسر والألف . وحَوْكُ الكلام : صَنْعتُه ونَظْمُه . والحِلْم : العَقْل ، يقول له : ما صدر هذا الكلام والهُجر الفاسد عن عالم ولا عاقل . ومن رَواها «الدِّهاس» بالكسر فهو جمع دَهْس ، ومَنْ قرأها بالفتح فهو مُفرَد ، يقول : هذا دَهْس ودَهاس بالفتح مثل لَبْث ولبَاث للمكان السّهل الّذي لا يَبلُغ أن يكون رملاً ، وليس هو بتراب ولا طين . والدِّيماس بالكَسْر : السَّرَب المُظلِم تحتَ الأرض ، وأصله من دَمَس الظلام يَدمُس ، أي اشتدّ ، وليل دامِسٌ ودامُوس ، أي مُظلم ، وجاءنا فلانٌ بأمور دُمْس ، أي مُظلِمة عظيمة ، يقول له : أنت في كتابِك هذا كالخائض في تِلكَ الأرض الرِّخْوة ، تقوم وتقع ولا تتخلّص ، وكالخابط في اللّيل المُظلِم يَعثرُ ويَنهَض ولا يَهتدِي الطريق . والمَرْقَبَة : الموضعُ العالي . والأعلام : جمع عَلَم ، وهو ما يُهْتَدى به في الطّرقات من المَنار ، يقول له : سمَتْ همّتك إلى دَعوَى الخِلافة ، وهي منك كالمرقَبة الّتي لا تُرام بتعدٍّ على من يَطلُبها ، وليس فيها أعلامٌ تَهدِي إلى سلوك طريقِها ، أي الطرقُ إليها غامضة ، كالجَبَل الأملسِ الّذي ليس فيه دَرَج ومَراق يُسلَك منها إلى ذِروَته . والأنُوق على «فَعُول» بالفتح كأَكُول وشَرُوب : طائر ، وهو الرَّخمَة . وفي المثل «أعزّ من بَيْضِ الأنوق» ؛ لأنها تُحرِزه ، ولا يكاد أحدٌ يَظفَر به ، وذلك لأنّ أوكارَها في رؤوس الجبال والأماكن الصّعبة البعيدة . والعَيّوق : كوكب معروف فوق زُحَل في العُلوّ ، وهذه أمثالٌ ضَرَبها في بُعدِ معاوية عن الخلافة .ثم قال : «حاشَ للّه أن أولِّيك شيئا من أُمور المسلمين بَعدِي» ، أي مَعاذَ اللّه ، والأصْلُ إثبات الألف في «حاشا» ، وإنّما اتّبع فيها المصحف . والوِرْد والصَّدَر : الدّخول والخروجُ ، وأصلُه في الإبل والماء . ويَنهَد إليك عباد اللّه ، أي يَنهَض . وأُرتِجَتْ عليك الأمورُ : أُغلِقت .وهذا الكتابُ هو جواب كتابٍ وَصَل من معاوية إليه عليه السلام بعد قَتْل عليّ عليه السلام الخوارجَ ، وفيه تلويحٌ بما كان يقوله من قبْل : إنّ رسولَ اللّه وَعَدني بقتالِ طائفةٍ أُخرى غيرِ أصحابِ الجَمَل وصِفّين ، وإنّه سمّـاهم المارِقين ، فلمّا واقَعَهم عليه السلام بالنَّهرَوان وقتَلهم كلّهم بيوم واحد وهم عَشرَة آلافِ فارسٍ أحَبّ أن يُذكِّر معاوية بما كان يقول من قبلُ ، ويَعِدُ به أصحابَه وخواصّه ، فقال له : قد آن لك أن تَنتفِع بما عايَنت وشاهَدْتَ معاينةً ومُشاهَدةً ، من صدق القول الّذي كنتُ أقولُه للنّاس ويَبلغك فتَستهزِئ به .