تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٠٤
.ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية وَغَيَّرَ اللّه ُ نِعْمَتَهُ ، وَأَحَلَّ بِهِ نِقْمَتَهُ . فَنَفْسَكَ نَفْسَكَ ! فَقَدْ بَيَّنَ اللّه ُ لَكَ سَبِيلَكَ ، وَحَيْثُ تَنَاهَتْ بِكَ أُمُورُكَ ، فَقَدْ أَجْرَيْتَ إِلَى غَايَةِ خُسْرٍ ، وَمَحَلَّةِ كُفْرٍ ، فَإِنَّ نَفْسَكَ قَدْ أَوْلَجَتْكَ شَرّاً ، وَأَقْحَمَتْكَ غَيّاً ، وَأَوْرَدَتْكَ الْمَهَالِكَ ، وَأَوْعَرَتْ عَلَيْكَ الْمَسَالِكَ [١] .
الشّرْحُ:
قوله : «وغاية مُطّلبة» ، أي مساعفة لطالبها بما يطلبه ، تقول : طلب فلان مِنّي كذا فأطلبتُه : أي أسعفت به . والأكياس : العقلاء . والأنكاس : جمع نِكْس ؛ وهو الدنيء من الرجال . ونكب عنها : عدَل . «وحيث تناهت بك أُمورك» ، الأوْلى ألاّ يكون هذا معطوفا ولا متّصلاً بقوله ، فقد بين اللّه لك سبيلك ، بل يكون كقولهم لمن يأمرونه بالوقوف : حيث أنت ، أي قِفْ حيث أنت ؛ فلا يذكرون الفعل ؛ ومثله قولهم : مكانَك ، أي قف مكانك . قوله : «فقد أجريت» ، يقال : فلان قد أجرى بكلامه إلى كذا ، أي الغاية التي يقصدها هي كذا ، مأخوذ من إجراء الخيل للمسابقة ، وكذلك قد أجرى بفعله إلى كذا ، أي انتهى به إلى كذا . ويروى : «قد أوْحلتك شرّا» ، أي أورطتك في الوحل . والغَيّ ضدُّ الرشاد . وأقحمتك غيّا : جعلتك مقتحماً له . وأوعرت عليك المسالك : جعلتها وعْرة . وأوّل هذا الكتاب : «أمّا بعد ، فقد بلغَنِي كتابُك تذكر مشاغبتي ، وتستقبح موازرتي ، وتزعمني متحيّرا وعن الحقّ مقصِّرا ، فسبحان اللّه ! كيف تستجيز الغيبة ، وتستحسن العضيهة ! إنِّي لم أُشاغب إلاّ في أمر بمعروف ، أو نهي عن منكر ، ولم أتجبّر إلاّ على باغ مارق ، أو ملحد منافق ، ولم آخذ في ذلك إلاّ بقول اللّه سبحانه : «لاَ تَجِدُ قَوْما يُؤمِنُونَ باللّه ِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّه َ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أوْ أبْنَاءَهُمْ أو إخْوانَهم» [٢] ، وأمّا التّقصير في حق اللّه تعالى فمعاذ اللّه ! وإنّما المقصّر في حقِّ
[١] أعلاما : علامات ودلائل . المحجّة : الطريق الواضحة . نهجة : واضحة . خبط : سار بغير هدى . التيه : الضلال . تناهت الأُمور : بلغت غايتها . أولجتك : أدخلتك .[٢] سورة المجادلة ٢٢ .[٣] التهوس في الردى : الوقوع فيه![٤] المهطع : الذي ينظر في ذل وخشوع .[٥] سورة الدخان ٤١ .