تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٦
ووُقِص الرّجل ، إذا اندقّت عنُقه ، فهو موقوص ، ووَقصتُ عنقَ الرّجل أقِصُها وَقْصا ، أي كسرتها ، ولا يجوز وقصت العنق نفسها . والضمير في قوله عليه السلام : «لقد أتلعوا» يرجع إلى قريش ، أي راموا الخلافة فقتِلُوا دونها .
٢١٤
الأصْلُ:
.ومن كلام له عليه السلام قَدْ أَحْيَا عَقْلَهُ ، وَأَمَاتَ نَفْسَهُ ، حَتَّى دَقَّ جَلِيلُهُ ، وَلَطُفَ غَلِيظُهُ ، وَبَرَقَ لَهُ لاَمِعٌ كَثِيرُ الْبَرْقِ ، فَأَبَانَ لَهُ الطَّرِيقَ ، وَسَلَكَ بِهِ السَّبِيلَ ، وَتَدَافَعَتْهُ الْأَبْوَابُ إِلَى بَابِ السَّلاَمَةِ ، وَدَارِ الاْءِقَامَةِ ، وَثَبَتَتْ رِجْلاَهُ بِطُمَأنِينَةِ بَدَنِهِ فِي قَرَارِ الْأَمْنِ وَالرَّاحَةِ ، بِمَا اسْتَعْمَلَ قَلْبَهُ ، وَأَرْضَى رَبَّهُ .
الشّرْحُ:
يصف العارفَ ، يقول : قد أحيا قلبه بمعرفة الحقّ سبحانه ، وأمات نفسه بالمجاهدة ورياضة القوّة البدنية ببالجوع والعطش ، والسهر ، والصّبْر عَلَى مشاقّ السفر ، والسياحة . « حتى دقّ جليلُه» ، أي حتى نَحَل بدنُه الكثيف . «ولطف غليظُه» ، تلطفت أخلاقه وصفتْ نفسه ، فإن كَدر النفس في الأكثر إنّما يكون من كَدَر الجسد ، والبطنة ـ كما قيل ـ تذهب الفطنة . واعلم أن قوله عليه السلام : «وبرق له لامعٌ كثير البرق» ، هو حقيقة مذهبِ الحكماء ، وحقيقة قول الصوفيّة أصحاب الطريقة والحقيقة ؛ وقد صرّح به الرئيس أبو عليّ ابن سينا في كتاب «الإشارات» ، فقال في ذكر السالك إلى مرتبة العرفان : ثم إنّه إذا بلغت به الإرادة والرياضة حدّا ما عَنَّتْ له خُلْسات من اطّلاع نور الحق إليه لذيذة كأنها بروقُ تُومِض إليه ثم تخمَد عنه ، وهي التي تسمّى عندهم أوقاتا ، وكلّ وقتٍ يكتنفه وجْدٌ إليه ، ووجد عليه ...