تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٦
.ومن كلام له عليه السلام روى ذُعْلب اليماني ، ع تُرْبَةٍ وَسَهْلِهَا ، فَهُمْ عَلَى حَسَبِ قُرْبِ أَرْضِهِمْ يَتَقَارَبُونَ ، وَعَلَى قَدْرِ اخْتِلاَفِهَا يَتَفَاوَتُونَ ، فَتَامُّ الرُّوَاءِ نَاقِصُ الْعَقْلِ ، وَمَادُّ الْقَامَةِ قَصِيرُ الْهِمَّةِ ، وَزَاكِي الْعَمَلِ قَبِيحُ الْمَنْظَرِ ، وَقَرِيبُ الْقَعْرِ بَعِيدُ السَّبْرِ ، وَمَعْرُوفُ الضَّرِيبَةِ مُنْكَرُ الْجَلِيبَةِ ، وَتَائِهُ الْقَلْبِ مُتَفَرِّقُ اللُّبِّ ، وَطَلِيقُ اللَّسَانِ حَدِيدُ الْجَنَانِ .
الشّرْحُ:
ذعلب وأحمد وعبد اللّه ومالك ، رجال من رجال الشِّيعة ومحدّثيهم . وهذا الفصل عندي لا يجوز أن يحمَل على ظاهره ، وما يتسارع إلى أفهام العامّة منه وذلك لأنّ قوله : «أنّهم كانوا فِلقة من سَبَخ أرض وعَذبها» ؛ إمّا أن يريد به أنّ كلّ واحد من النّاس ركّب من طين ، وجعل صورة بشرية طينيّة برأس وبطن ويدين ورجلين ، ثم نفخت فيه الروح كما فعل بآدم ، أو يريد به أنّ الطّين الذي ركِّبت منه صورة آدم فقط كان مختلطا من سَبَخ وعَذْب . والذي أراه أنّ لكلامه عليه السلام تأويلاً باطنا ، وهو أن يريد به اختلاف النّفوس المدبّرة للأبدان ، وكنَى عنها بقوله : «مبادئ طينهم» . وقوله : «كانوا فِلْقة من سبخ أرض وعذبها ، وحَزْن تربة وسهلها» تفسيره أنّ البارئ جلّ جلاله لمّا خلق النّفوس ، خَلَقها مختلفة في ماهيّتها ، فمنها الزكيَّة ومنها الخبيثة ، ومنها العفيفة ومنها الفاجرة ، ومنها القويّة ومنها الضعيفة ، ومنها الجريئة المقدِمة ، ومنها الفَشْلة الذليلة ، إلى غير ذلك من أخلاق النفوس المختلفة المتضادّة . ثم فسّر عليه السلام وعلّل تساوي قوم في الأخلاق وتفاوت آخرين فيها ، فقال : إنّ نفس زيد قد تكون مشابهةً أو قريبة من المشابهة لنفس عمرو ، فإذا هما في الأخلاق متساويتان ، أو متقاربتان ، ونفس خالد قد تكون مضادّة لنفس بكْر أو قريبة من المضادّة ، فإذا هما في الأخلاق متباينتان أو قريبتان من المباينة . ثمّ بيّن عليه السلام اختلاف آحاد الناس ، فقال : منهم من هو تام الرّواء ، لكنه ناقص العقل . والرّواء بالهمز والمد : المنظر الجميل . قوله عليه السلام : «ومادّ القامة قصير الهِمّة» ؛ قريب من المعنى الأول ، إلاّ أنه خالف بين الألفاظ ، فجعل الناقص بإزاء التامّ ، والقَصِير بإزاء المادّ . ويمكن أن يجعل المعنيان مختلفين ، وذلك لأنّه قد يكون الإنسان تامّ العقل ، إلاّ أنّ همته قصيرة ، وقد رأينا كثيراً من النّاس كذلك ، فإذَنْ