تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٢
قالَ الرَّضيّ رحمه الله : وَقَدْ مَضَى هذا الكلامُ في أثْناءِ خُطْبَةٍ متقدمة ، إلاّ أنِّي ذَكَرْتُهُ ها هنا لاختِلافِ الرّوايَتَينْ [١] .
الشّرْحُ:
العدوى : طلبك إلى والٍ ليُعدِيك على مَنْ ظلمك ، أي ينتقم لك منه ، يقال : استعديتُ الأميرَ على فلان فأعداني ، أي استعنت به عليه فأعانني . وقطعوا رحمي : وقطعوا قرابتي ، أي أجروْني مجرى الأجانب . ويجوز أن يُريد أنّهم عدّوني كالأجنبيّ من رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم . ويجوز أن يريد أنّهم جعلوني كالأجنبيّ منهم ؛ لا ينصرونه ، ولا يقومون بأمره . وأكفؤوا إنائي : قلبوه وكبّوه ، وحذْف الهمزة من أوّل الكلمة أفصح وأكثر ، وقد روي كذلك ، ويقال لمن قد أُضيعت حقوقه : قد [أُكفئ إناؤهُ] [٢] تشبيها بإضاعة اللبن من الإناء . وقد اختلفت الرواية في قوله : «ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه» ، فرواها قوم بالنون ، وقوم بالتاء . وقال الراوندي : إنها في خطّ الرضيّ بالتاء . ومعنى ذلك أنك إن وليت أنت كانت ولايتُك حقّا ، وإن وُلِّي غيرُك كانت ولايته حقاً ، على مذهب أهل الاجتهاد [٣] . ومن رواها بالنون ، فالمعنى ظاهر . والرافد : المعين . والذابّ الناصر . وضننت بهم : بخلت بهم . وأغضيت على كذا : صَبَرت . وجرِعت بالكسر . والشّجا : ما يعترض في الحلْق . والوخز : الطعن الخفيف ، وروي «من حزّ الشفار» والحزّ : القطع . والشِّفار : جمع شفْرة ، وهي حدّ السيف والسكّين . واعلم أنّ هذا الكلام قد نُقل عن أمير المؤمنين عليه السلام ما يناسبه ، ويجري مجراه ، ولم يؤرّخ الوقت الذي قاله فيه ، ولا الحال التي عَناها به ، وأصحابنا يحملون ذلك على أنّه عليه السلام قاله عَقِيب الشّورى وبيعة عثمان ، فإنه ليس يرتاب أحدٌ من أصحابنا عَلَى أنّه تظلّم وتألّم حينئذٍ . ويكره أكثر أصحابنا حمل أمثال هذا الكلام على التألم من يوم السقيفة .
[١] مرّ ذلك في الخطبة (١٧٣) .[٢] في الأصل : أكفأ إناءَهُ .[٣] وأمّا على مذهب الإمامية ، فيكون المعنى : إن وليتَ أنت كانت ولايتك حقاً ، وإن ولي غيرك ، فعليك الاستسلام والخضوع ومجاراة الظروف . وهو يتضمن اعترافهم بحقه ، ولكنهم طلبوا منه الاستسلام مجاراة للظروف .