تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦١٨
٣٧٣
الأصْلُ:
.أَيُّهَا النَّاسُ ، مَتَاعُ الدُّنْيَا حُطَامٌ مُوبِئٌ ، فَتَجَنَّبُوا مَرْعَاةً قُلْعَتُهَا أَحْظَى مِنْ طُمَأنِينَتِهَا ، وَبُلْغَتُهَا أَزْكَى مِنْ ثَرْوَتِهَا . حُكِمَ عَلَى مُكْثِريها بِالْفَاقَةِ ، وَأُعِينَ مَنْ غَنِيَ عَنْهَا بِالَّراحَةِ ، مَنْ رَاقَةُ زِبْرِجُهَا أَعْقَبَتْ نَاظِرَيْهِ كَمَهاً ، وَمَنِ اسْتَشْعَرَ الشَّغَفَ بِهَا مَلَأَتْ ضَمِيرَهُ أَشْجَاناً ، لَهُنَّ رَقْصٌ عَلَى سُوَيْدَاءِ قَلْبِهِ ، هَمٌّ يَشْغَلُهُ ، وَغَمُّ يَحْزُنُهُ ، كَذلِكَ حَتَّى يُؤْخَذَ بِكَظَمِهِ فَيُلْقَى بِالْفَضَاءِ ، مُنْقَطِعاً أَبْهَرَاهُ ، هَيِّناً عَلى اللّه ِ فَناؤُهُ ، وَعَلَى الاْءِخْوَانِ إِلْقَاؤهُ . وَإِنَّمَا يَنْظُرُ الْمُؤْمِنُ إِلَى الدُّنْيَا بَعَيْنِ الاْعْتِبَارِ ، وَيَقْتَاتُ مِنْهَا بِبَطْنِ الاِضْطِرَارِ ، وَيَسْمَعُ فِيهَا بِأُذُنِ الْمَقْتِ وَالاْءِبْغَاض ، إِنْ قِيلَ أَثْرَى قِيلَ أَكْدَى ! وَإِنْ فُرِحَ لَهُ بِالْبَقَاءِ حُزِنَ لَهُ بِالْفَنَاءِ ! هذَا وَلَمْ يَأْتِهِمْ يَوْمٌ هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ .
الشّرْحُ:
مَتاعُ الدنيا : أموالها وقُنْيَاتُها . والحُطام : ما تكسَّر من الحشيش واليَبَس ، وشَبَّه متاع الدنيا بذلك لحقَارته . ومُوبئ : مُحدث للوباء ، وهو المَرَض العامّ . ومَرْعاة : بقعةٌ تُرعى ، كقولك : مَأسَدة ، فيها الأسد ، ومُحياة ، فيها الحَيّات . وقلْعتها بسكون اللام ، خيرٌ من طمأنينتها ، أي كون الإنسان فيها منزعجا متهيّئا . للرّحيل عنها خيرٌ له من أن يكون ساكنا إليها ، مطمئنّا بالمُقام فيها . والبُلْغة : ما يتبلَّغ به . والثّروة : اليسار والغِنَى ، وإنما حُكِم على مُكثريها بالفاقة والفَقْر ؛ لأنّهم لا ينتهون إلى حَدٍّ من الثروة والمال إلاّ وجدّوا واجتَهدوا ، وحَرَصوا في طلب الزّيادة عليه ، فهمْ في كلّ أحوالهم فقراءُ إلى تحصيل المال ، كما أنّ من لا مال له أصلاً يَجدّ ويجتهد في تحصيل المال ، بل ربما كان جدُّهم وحِرْصُهم على ذلك أعظَم من كَدْح الفقير وحرصه ، ورُوي : «وأُعين من غَنِيَ عنها» ، ومن رواه : « أَغْنَى» ، أي أغْنَى اللّه ُ ، من غَنِي عنها وزَهِد فيها بالراحة وخلوّ البال وعدم الهمّ والغمّ . والزِّبْرِج : الزّينة ، وراقه : أعجَبَه . والكَمَه :