تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٣٦
تُلاقيه . وجُلْمود ، يمكن أن يكون عَطْفا على «حاصِب» ، ويمكن أن يكون عطْفا على « أغْوار » ، أي بين غَوْرٍ من الأرض وحَرَّةٍ ، وذلك أشدّ لأذاها لما تكسِبُه الحَرّة من لَفْح السَّموم وَوَهجِها . والوجه الأوّل ألْيَق . وأعضضْته ، أي جَعلته مَعضوضا برؤوس أهلك ، وأكثر ما يأتي «أفَعَلْته» أن تجعله « فاعلاً» ، وهي هاهنا من المقلوب ، أي أعضَضْت رؤوس أهلك به ، كقوله : «قد قطع الحبل بالمرْوَد» . وجدُّه عُتبة بن ربيعة ، وخاله الوليدُ بنُ عتبة ، وأخوه حَنظلة بن أبي سفيان ، قتلهم عليّ عليه السلام يوم بدر .والأغلَفَ القلب : الذي لا بصيرة له ، كأنّ قلبه في غِلاف ، قال تعالى : «وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ» [١] . والمقارِب العقل ، بالكسر : الذي ليس عَقْله بجيّد ؛ والعامَّة تقول فيما هذا شأنه : مقارَب ، بفتح الراء . ثم قال : والأوْلى أن يقال هذه الكلمة لك . ونشدتُ الضّالّة : طَلبتُها ، وأنشدتها : عَرّفتها ، أي طلبتَ ما ليس لك . والسائمة : المال الراعي ؛ والكلامُ خارجٌ مخرج الاستعارة .فإن قلت : كلّ هذا الكلام يطابق بعضه بعضا إلاّ قوله : «فما أبعد قولك من فِعلك» وكيف استبعد عليه السلام ذلك ولا بُعْدَ بينهما ؛ لأنّه يَطلُب الخلافة قولاً وفعلاً ! فأيّ بُعد بين قوله وفعله؟ قلت : لأنّ فعله البَغْي ، والخروج على الإمام الذي ثبتت إمامتُه وصحّت ، وتفريق جماعةِ المُسلمين ، وشقّ العَصا ، هذا مع الأُمور الّتي كانت تَظهر عليه وتقتضي الفسق ؛ من لبس الحرير ، والمَنسوج بالذهب ، وما كان يتعاطاه في حياةِ عثمان من المنكرات التي لم تثْبت توبته منها ، فهذا فعلُه . وأمّا قوله ؛ فزعمه أنه أميرُ المؤمنين ، وخليفةُ المسلمين ، وهذا القولُ بعيد من ذلك الفعل جدا . و «ما» في قوله : «وقريب ما أشبهت» مصدرية ، أي وقريب شبهك بأعمام وأخوال . وقد ذكرنا من قُتِل من بني أُميّة في حرُوب رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم فيما تقدّم ، وإليهم الإشارة بالأعمام والأخوال ؛ لأنّ أخوال معاوية من بني عبد شمس ، كما أنَّ أعمامه من بني عبد شمس . قوله : «ولم تماشها الهوينى» ، أي لم تصحبها ، يصفها بالسرعة والمضيّ في الرؤوس والأعناق . وأمّا قوله عليه السلام : «ادخُل فيما دَخَل فيه الناسُ وحاكِم القومَ» ، فهي الحجّة الّتي
[١] وهو قوله : { مُسْتَقْبِلِينَ رِيَاحَ الصَّيْفِ تضربُهُمْ بحاصبٍ بينَ أغوارٍ وجلمُودِ }[٢] سورة البقرة ٨٨ .