تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٦
لا يعرفون للنهار ليلاً ولا للّيل نهاراً ، وذلك لأنّ الواحد من البَشَر إذا مات نهاراً لم يعرف لذلك النهار ليلاً أبدا ، وإن مات ليلاً لم يعرف لذلك الليل صباحة أبداً . وقال الشاعر : { لابد من يومٍ بلا ليلةٍ أو ليلةٍ تأتي بلا يومِ } وليس المراد بقوله : «أيّ الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمداً» ، أنهم وهم موتى يشعرون بالوقت الذي ماتُوا فيه ، ولا يشعرون بما يتعقّبه من الأوقات ، بل المراد أن صورةَ ذلك الوقت لو بقيتْ عندهمْ ؛ لبقيت أبدا من غير أن يزيلها وقتٌ آخر يطرأ عليها . ويجوز أن يفسّر على مذهب من قال ببقاء الأنفس ، فيقال : إنّ النفس التي تفارق ليلاً تبقى الصورة الليلية والظلمة حاصلة عندها أبداً لا تزول بطرآنِ نهار عليها ؛ لأنها قد فارقت الحواسّ فلا سبيل لها إلى أن يرتسم فيها شيء من المحسوسات بعد المفارقة ، وإنَّما حصل ماحصل من غير زيادة عليه ، وكذلك الأنفس التي تفارق نهاراً . فإن قلت : ما معنى قوله عليه السلام «وبجانب الهجر»؟ وأي فائدة في لفظة «جانب » في هذا الموضع؟ قلت : لأنّهم يقولون : فلان في جانب الهجر ، وفي جانب القطيعة ، ولا يقولون : «في جانب الوصل» ، وفي «جانب المصافاة» ، وذلك أنّ لفظة «جنب» في الأصل موضوعة للمباعدة ، ومنه قولهم : «الجار الجُنب» ، وهو جارك من قوم غرباء . يقال : جنبت الرجل ، وأجنبته ، وتجنّبته ، وتجانبته ، كلّه بمعنىً ، ورجل أجنبيّ ، وأجنب ، وجُنب ، وجانب ، كلّه بمعنى . قوله عليه السلام : «شاهدوا من أخطار دارهم» ، المعنى أنّه شاهد المتقون من آثار الرحمة وأماراتها ، وشاهد المجرمون من آثار النقمة وأماراتها عند الموت ، والحصول في القبر أعظم مما كانوا يسمعون ويظنّون أيّام كونهم في الدنيا . ثم قال : «فكلا الغايتين مدّت لهم» ، المعنى مدّت الغايتان : غاية الشقيّ منهم وغاية السعيد . إلى مباءة ، أي إلى منزل يعظم حاله عن أن يبلغه خوف خائف ، أو رجاء راج ؛ وتلك المباءة هي النّار أو الجنة . وتقول : قد استباء الرجل أي اتّخذ مباءة ، وأبأت الإبل : رددتها إلى مباءتها ؛ وهي معاطنها . ثم قال : «فلو كانوا ينطقون بها لعيُّوا» بتشديد الياء . وروي «لَعَيُوا» بالتخفيف ، كما تقول : «حَيُوا» ، قالوا : ذهبت الياء الثانية لالتقاء الساكنين ؛ لأنّ الواو ساكنة ، وضمّت الياء الأُولى لأجل الواو ، قال الشاعر :