تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٩٦
قوله : «ومستودَعها حافظ» ، يعني اللّه سبحانه ؛ لأنّه مستودع الأعمال ، ويدلّ عليه قوله تعالى : «إنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عملاً» [١] . قوله : «لم تبرح عارضةً نفسها» ، كلام فصيح لطيف ، يقول : إنّ التقوى لم تزل عارضةً نفسها عَلَى مَنْ سلف من القرون ، فقبلها القليل منهم ، شبّهها بالمرأة العارضة نفسها نكاحاً على قومٍ ، فرغب فيها مَنْ رغب ، وزَهِد مَنْ زهد ، وعلى الحقيقة ليست هي العارضة نفسَها ، ولكنّ المكلّفين ممكَّنون من فعلها ومرغَّبون فيها ، فصارت كالعارضة . والغابر هاهنا : الباقي ، وهو من الأضداد يستعمل بمعنى الباقي ، وبمعنى الماضي . قوله عليه السلام : «إذا أعاد اللّه ما أبدى» ، يعني أنشر الموتى . «وأخذ ما أعطى» ، ورث الأرض مالك الملوك ، فلم يبقَ في الوجود مَنْ له تصرُّف في شيء غيره ، كما قال : «لِمنِ المُلْكُ اليَومَ للّه ِ الْوَاحِدِ القَهَّارِ» [٢] . «وسأل عمّا أسدى» ، أي سأل أرباب الثروة عمّا أسدى إليهم من النّعم فيم صرفوها ؟ وفيم أنفقوها ؟ قوله عليه السلام : «فما أقلّ مَنْ قبلها !» ، يعني ما أقلّ مَنْ قبِل التقوى العارضة نفسها على الناس . و «إذا» في قوله : «إذا أعاد اللّه » ، ظرف لحاجتهم إليها ؛ لأنّ المعنى يقتضيه ، أي لأنهم يحتاجون إليها وقت إعادة اللّه الخلق . قوله : «فأهطِعوا بأسماعكم» ، أي أسرعوا ، أهطع في عَدْوه أي أسرع . ويروى : «فانقطعوا بأسماعكم إليها» ، أي فانقطعوا إليها مصغِين بأسماعكم . «وألِظُّوا بجدّكم» ، أي ألحّوا ، والإلظاظ : الإلحاح في الأمر . «بجدّكم» ، أي باجتهادكم ، جددتُ في الأمر جدّا بالغت واجتهدت ، ويروى : «وأكظّوا بحدّكم» والمواكظة : المداومة على الأمر . قوله : «وأشعروا بها قلوبكم» ، يجوز أن يريد : اجعلوها شعارا لقلوبكم ، وهو ما دون الدّثار وألصق بالجسد منه ، ويجوز أن يريد : اجعلوها علامةً يُعرَف بها القلب التقيّ من القلب المذنب ، كالشّعار في الحرب يُعرَف به قوم من قوم ، ويجوز أن يريد : أخرِجوا قلوبَكم بها من أشعار البدن ، أي طهروا القلوب بها ، وصفُّوها من دَنَس الذنوب ، كما يصفّى البدن بالفصاد من غَلبة الدم الفاسد ؛ ويجوز أن يريد : الإشعار بمعنى الإعلام ، من أشعرت زيدا بكذا ، أي عرّفته إياه ، أي اجعلوها عالمة بجلالة موقعها وشرف محلها . «وارحَضُوا بها» ،
[١] سورة الكهف ٣٠ .[٢] سورة غافر ١٦ .