تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٨٨
كان للّه تعالى في أهل الأرض حاجة» . ثم ذكر أنّه لا يصحّ أن يعدَّ الإنسان من المهاجرين إلاّ بمعرفة إمام زمانه ، وهو معنى قوله : «إلاّ بمعرفة الحجّة في الأرض» . قال : «فمن عرف الإمام وأقرّ به فهو مهاجر» . ولا يجوز أن يسمّى مَنْ عرف الإمام مستضعفا . فإن قلت : فما معنى قوله : «من مستسرّ الإمّة ومعلنها» ، وبماذا يتعلّق حرف الجر؟ قلت : معناه : ما دام للّه في أهل الأرض المستسرّ منهم باعتقادهِ والمعلن حاجة ، فـ « من » على هذا زائدة ، فلو حذفت لجر المستسر بدلاً من أهل الأرض ، ومن إذا كانت زائدة لا تتعلّق ، نحو قولك : ما جاءني من أحد . ورابعها : قوله عليه السلام : «إن أمرَنا هذا صعب مستصعَب» ، ويروى : «مستصعِب ـ بكسر العين ـ لا يحتمله إلاّ عبد امتحن اللّه تعالى قلبَه للإيمان» ، هذه من ألفاظ القرآن العزيز ، قال اللّه تعالى : «أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللّه ُ قُلُوبَهُمْ للتَّقْوَى» [١] ، وهو من قولك : امتُحِن فلان لأمر كذا وجُرّب ودُرّب للنهوض به ، فهو مضطلع به غير وانٍ عنه ، والمعنى أنهم صُبَّرٌ على التقوى ، أقوياء على احتمال مشاقّها ، ويجوز أن يكون وضع الامتحان موضع المعرفة ؛ لأنّ تحققك الشيء إنما يكون باختباره كما يوضع الخبر موضع المعرفة ، فكأنه قيل : عرف اللّه قلوبَهم للتّقوى ، فتتعلّق اللام بمحذوف ، أي كائنة له ، وهي اللام التي في قولك : أنت لهذا الأمر ، أي مختصٌّ به . ويجوز أن يكون المعنى : ضرب اللّه قلوبَهم بأنواع المحن والتكاليف الصعبة لأجل التقوى ، أي لتثبت فيظهر تقواها ، ويعلم أنهم متّقون ، لأنّ حقيقة التّقوى لا تعلَم إلاّ عند المحن والشدائد والاصطبار عليها . ويجوز أن يكون المعنى أنه أخلصَ قلوبهم للتقوى ، من قولهم : امتحن الذّهب ، إذا أذابه فخلّص إبريزه من خَبَثه ونَقّاه . وهذه الكلمة قد قالها عليه السلام مرارا ، ووقفت في بعض الكتب على خُطبة من جملتها : « إنّ قريشا طلبت السعادة فشقِيتْ ، وطلبت النجاة فهلكَت ، وطلبت الهدَى فضلّت ، ألم يسمعوا ـ ويحهم ـ قوله تعالى : «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بإيمانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ» [٢] ؟ فأين المعدَل والمنزع عن ذريّة الرسول ، الذين شيّد اللّه
[١] سورة الحجرات ٣ .[٢] سورة الطور ٢١ .